محمد أبو زهرة

2160

زهرة التفاسير

الجماعات ، وبين أنه إذا لم يكن وازع النفوس كافيا ، فلا بد من ردع بعقوبات زاجرة فيها إيلام للآثمين ، ونكال يجعل غيرهم يفكر فيما يترقبه من عقاب إن حدثته نفسه بالآثام ، فإنه لم يكن له من نفسه واعظ ، كان له من العقاب أعظم رادع . ثم بين سبحانه الطريق لمحاربة الآثام في النفس قبل أن يظهر الشر ويطفح على الألسنة والجوارح ، فقال سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ النداء موجه للمؤمنين بوصف أنهم مؤمنون ؛ لأن مقتضى الإيمان أن يربوا أنفسهم على الخير ، وينزعوا منها نوازع الشر ، وقد ذكر سبحانه وتعالى الطريق لتربية النفس وتغليب جانب الخير فيها على جانب الشر ، وجانب الصلاح على جانب الفساد ، وتلك الطريق المثلى مكونة من نقط ثلاث يتكون منها الخط المستقيم الموصل للغاية الفضلى ، وهذه النقط الثلاث هي التقوى ، وابتغاء الوسيلة ، والجهاد في سبيله ، والغاية الحسنى هي الفلاح في الدنيا والآخرة ، ولنشر بكلمة موجزة إلى معاني التربية في كل نقطة من هذه النقط . اتَّقُوا اللَّهَ أي : اجعلوا بينكم وبين غضب الله تعالى وقاية ، بحيث تكون نفوسكم في حصن لا يدخل إليها الشر وهي فيه ، وهذا الحصن هو التقوى التي تملأ القلب بذكر الله تعالى ، فلا تحس النفس إلا به سبحانه مسيطرا على كل ما في هذا الوجود ، وتحس به رقيبا لا تخفى عليه خافية من خلجاتها ، يعلم ما يخفى كل إنسان وما يعلن ، وما يسر به وما يجهر ، فيتجه إليه سبحانه وتعالى كأنه يرى ربه في كل عمل يعمله ، فإن لم يكن يراه سبحانه فإنه يراه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » .

--> ( 1 ) سبق تخريجه .