محمد أبو زهرة

2161

زهرة التفاسير

ولا شك أن النفس إذا امتلأت بالتقوى ذلك الامتلاء ، جانبها الهوى والحقد والحسد ، وحب الاستعلاء الباطل ، وصار صاحبها ممن ينطبق عليهم قول الله تعالى في أوصاف أهل الإيمان : . . . لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً . . . ( 83 ) [ القصص ] . وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ هذه هي النقطة الثانية من الخط المستقيم الذي لا عوج فيه ، فالنقطة الأولى ملء القلب بذكر الله تعالى وخشيته ، وجعلها دائما في إحساس برقابته ، وإنه يترتب على إدراك هذا الجزء من الخط المستقيم الوصول إلى النقطة الثانية ، وهي طلب ما يتوسل به إليه لنيل رضاه وإدراك حق طاعته ، فالوسيلة : هي ما يتوسل بها إلى رضا الله تعالى ، وهي طاعته راغبا فيها محبا لها قاصدا إليها ، وزكى لذلك طلبها بقوله تعالى : وَابْتَغُوا أي اطلبوا رضاه وطاعته سبحانه طلب من يحبه ويبغيه لثواب ، وتلك أعلى الدرجات ، ومن دون ذلك له فضل كبير ما دام قد طلب رضا الله تعالى . فالوسيلة على هذا هي الطاعة برغبة ، ولقد قال في ذلك الأصفهاني : « الوسيلة التوصل إلى الشيء برغبة لتضمنها لمعنى الرغبة قال تعالى : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ . وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة ، وتحرى مكارم الشريعة ، وهي كالقربة ، والواسل : الراغب إلى الله ، وعلى هذا التفسير اللغوي القرآني يكون معنى الوسيلة : الطاعة والتقرب إلى الله ، تعالى وطلب مرضاته . وقد جاءت بهذا المعنى في آية أخرى هي قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ . . . ( 57 ) [ الإسراء ] . وعلى ذلك تكون النقطة الثانية من صراط الحق وخط الإيمان المستقيم هي الطاعة وطلب رضا الله تعالى وحده . وهنا مسألة لفظية نشير إليها ، وهي تقديم الجار والمجرور في قوله جل جلاله : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ .