محمد أبو زهرة
2154
زهرة التفاسير
الرسول صلى الله عليه وسلم بما يفيد أنها للتنويع في العقوبات تبعا لقوة ما ارتكبوا ، لا لمجرد التخيير للإمام « 1 » . وهذا هو الرأي الأول الذي يقوم على أن التخيير هنا ليس مطلقا ، ولكنه منوع تبعا لقوة الجريمة ، أما الرأي الثاني فهو يقرر أن « أو » للتخيير المطلق ، وأن الإمام له الحق في اختيار أي عقوبة من هذه العقوبات ، فإما أن يقتلهم لمجرد إزعاجهم للآمنين ، ليجتث من أول الأمر شأفتهم ، كما أن له أن يقتل السارقين ، وأن يصلبهم ولو لم يقتلوا ، والتخيير هنا فيه إجازة مطلقة لولى الأمر ليعالج الجريمة ، بما يراه أقرب إلى المصلحة وإقامة الأمن على أسس سليمة . ووجهة ذلك الرأي أن « أو » الأصل فيها أنها للتخيير ، ولا يعدل عن الأصل إلا لما يوجب العدول ، ولم يوجد ما يوجب العدول ، وما ورد منسوبا للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أقوال الصحابة فهو علاج لأحوال وقعت ، والتخيير لا يمنع ولى الأمر من أن يختار التنويع ، فإن اختاره فهو من حقه ، ويدخل في باب الإذن المطلق بالتخيير ، فإذا اختار أن يقتل من قتل ويصلب من قتل وصلب ، ويقطع فقط من سرق فهو من حقه ، وليس عمل النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا القبيل إن صح ما نسب إليه « 2 » ، وهذا التنويع ليس ملزما بأصل النص ، ولكن قد تلزم به المصلحة ، إن رأى أن ذلك هو طريق الردع .
--> ( 1 ) انظر السابق . ( 2 ) عن أنس بن مالك قال : قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا ( أي أصابهم داء البطن ) المدينة ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها ، فانطلقوا ، فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم ، واستاقوا النعم ، فجاء الخبر في أول النهار فبعث في آثارهم ، فلما ارتفع النهار جيء بهم ، فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون . قال أبو قلابة ( الراوي عن أنس ) : فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله . [ رواه البخاري في ثلاثة عشر موضعا أولها : الوضوء - أبوال الإبل ( 233 ) ، ومسلم : القسامة والمحاربين والقصاص ( 1671 ) ] كما رواه أصحاب السنن وغيرهم وله طرق .