محمد أبو زهرة

2155

زهرة التفاسير

وإنه على هذا الرأي جمع من التابعين منهم عطاء وسعيد بن المسيب ومجاهد ، والحسن البصري والنخعي ، وأبو الزناد ، وهو مذهب الإمام مالك والظاهرية كما قلنا . وإن الفقه في التفرقة بين الرأيين أن الرأي الأول يحد جرائم معينة ويعتبرها موضوع قطع بفعلها أو بالشروع فيها ، وهي القتل والسرقة ، وأن الجرائم لا تخلو عن ذلك ؛ ولذلك كانت العقوبات مترددة بين القطع والقتل ، وأنه قد يكون ثمة تغليظ إذا ارتكبت الجريمتان معا ، وإن كان الشروع بالتجمع واتخاذ الأسباب ، فإن العقوبة تكون بمنع الجريمة من الوقوع باتخاذ أسباب الوقاية بالنفي من الأرض بالتغريب أو زجه في غيابات السجون ؛ ولذلك كان التنويع ، وكان تخريج « أو » على ذلك الأساس ، ليكون التكافؤ بين الجريمة والعقوبة ، وإن لم تكن جريمة كانت الوقاية . أما الرأي الثاني - فهو يتجه إلى أن عقوبة الحرابة لذات الحرابة والسعي في الأرض بالفساد ، ومنع الناس من السير والاستمتاع بأموالهم ، وحرياتهم الشخصية ، وظاهر هذا الرأي أنه لا ينظر إلا إلى ذات الحرابة التي هي التخويف والإرهاب ، ولا ينظر إلى الجرائم التي ارتكبوها فعلا ؛ ولذلك يعمم الجرائم ولا يقصرها على القتل والسرقة كالرأى الأول ، ويرى أن العقوبات في جملتها هي لعلاج ذلك الشر ، وحسم مادته ، والقضاء على التفكير لمن يهم بمحاكاة من وقعوا فيه ؛ ولذلك يجب إطلاق يد ولى الأمر ، واعتبار تلك العقوبات في يده كالدواء بين يدي الطبيب يختار من أصنافه ما يراه أنجع في علاج الآفة التي أصابت الجسم الاجتماعي . وإنا نرى الرأي الأول بالنسبة لتنويع العقاب ، ونرى الرأي الثاني بالنسبة لتعميم الجرائم التي تفسد المجتمع الإسلامي ، فإذا كانت عصابة تعمل لجمع الرجال على النساء ، وتخطف النساء لذلك الغرض ، أو كانت عصابة لتجميع المواد المخدرة المحرم دينا وقانونا تناولها فإنهم يكونون كقطاع الطريق ، ويدخلون في باب الحرابة .