محمد أبو زهرة

2153

زهرة التفاسير

ككفارة اليمين ، فإن السبب هو الحنث وهو واحد ، وكان التخيير في الكفارة بين العتق ، وإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم ، أما إذا اختلف السبب ، فإنه لا بد أن يكون التخيير للتنويع ، والعقوبات هنا قد اختلفت أسبابها ، فإن منها القتل ، ومنها السرقة ، ومنها الجمع بينها ، ومنها مجرد الإرهاب والإزعاج ، ولا يمكن أن تكون العقوبة واحدة لكل من هذه الجرائم ، فلا بد من أن تختلف باختلاف أسبابها ، وتكون لذلك « أو » لترتيب العقوبات تبعا للجرائم ، ويذكر الكاساني أنه روى خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ، فقد قالوا : أنه لما قطع أبو بريدة الأسلمي بأصحابه الطريق على أناس جاءوا يريدون الإسلام ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : « إن من قتل قتل ، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ، ومن قتل وأخذ المال صلب ، ومن جاء مسلما هدم الإسلام ما كان قبله من الشرك » « 1 » . ويكون هذا النص النبوي معينا أن « أو » ليست لمجرد التخيير ولكن للتنويع ، وقد وردت الصيغة التي تدل بظاهرها على التخيير ، فقد قال تعالى : . . . قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ( 86 ) [ الكهف ] . ولا شك أن اللفظ ، وإن كان ظاهره تخيير ذي القرنين بين أي الأمرين يختار ، ولكن لا يمكن أن يكون له الحق في أي الأمرين من غير مرجح لأحدهما في الاعتبار ، ومنطق العدل الذي أوجبه الله على ذي القرنين والحكام العادلين أن يعذب من أبى وفسق عن أمر ربه ليرتدع غيره وينزجر ، وأن يتخذ الأمر الحسن والرفق مع من استقام أو ترجى استقامته . وعلى ذلك لا تكون « أو » ممحضة للتخيير ، ولكنها تحتمل التخيير والتنويع ، وقد ورد النص النبوي والآثار الصحاح عن الصحابة الذين تلقوا علم النبوة عن

--> ( 1 ) روى ابن جرير الطبري ( ج 6 ، ص 132 ) عن ابن عباس ، قوله تعالى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . . . إلى قوله : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ قال : إذا حارب فقتل ، فعليه القتل إذا ظهر عليه قبل توبته . وإذا حارب وأخذ المال وقتل ، فعليه الصلب إن ظهر عليه قبل توبته . وإذا حارب وأخذ ولم يقتل ، فعليه قطع اليد والرجل من خلاف إن ظهر عليه قبل توبته . وإذا حارب وأخاف السبيل ، فإنما عليه النفي .