محمد أبو زهرة
2150
زهرة التفاسير
والآن نتصدى لبيان العقاب الذي ذكره الله سبحانه وتعالى ، فقد قال سبحانه : أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ هذه عقوبات أربع قد ذكرت كلها معطوفة بأو التي تفيد التخيير في الجملة ، ولنتكلم في كل واحد منها بتفسير معناه اللغوي : التقتيل هو القتل ، ولكنه ذكر بصيغة التضعيف ، وهي تدل على الشدة في القتل ، وذلك بعدم التجاوز عن الذين ارتكبوا ما يوجبه ، وتفيد التكرار ، أي أنه يقتل من يرتكبونها مهما يكن عددهم ، فمن استحق القتل قتل ولو كانوا مائة قد قتلوا واحدا ، ولأن التضعيف يفيد الاستمرار في التقتيل ما داموا قد استمروا في الجريمة ، فكلما كان منهم قتل قتلوا ، ولإثبات أنه لا يقتل المقتول فقط ، بل يقتل هو ومن يعاونه ، ومن اتفق معه على جريمة من غير تفرقة بين مباشر ، ومحرض وراض قد اتفق معهم على جريمة الخروج ، و « التصليب » الصلب على مكان مرتفع يرى بعد القتل ، وصيغة التضعيف تفيد التشديد في العقوبة ، وإثبات أنه لا هوادة فيها ، ولا مناص منها ، وتكرارها ، واستمرارها ، ويصلب الشخص ثلاثة أيام عبرة وردعا ، وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف معناه أن لا تكون اليد والرجل المقطوعتان من جانب واحد ، بل تكونان من جانبين مختلفين ، فإذا قطعت اليد اليمنى تقطع الرجل اليسرى ، فمعنى من خلاف ، أي من جانب خلاف الجانب الآخر ، ومعنى قوله تعالى : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ . قال بعض الفقهاء : المراد نفيهم من الأرض التي اتفقوا فيها على الإجرام إلى أرض أخرى ، ليتفرقوا ، ولا يجتمعوا على ذلك الشر الذي ارتكبوه أو هموا بارتكابه ، وفسر الإمام أبو حنيفة النفي بالحبس ؛ لأن فيه إبعادا وتفريقا ، وهو أمنع لتجمعهم ، وأوغل في تفرقهم . ذلك هو عقاب الدنيا ، أما عقاب الآخرة ، فهو العذاب العظيم ؛ ولذلك قال تعالى : ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ .