محمد أبو زهرة

2151

زهرة التفاسير

أي أن ذلك العقاب الرادع الزاجر فيه كسر شوكتهم ، وإذلالهم وقهرهم ، وهو بذلك خزى لهم ، إذ إنه كشف جريمتهم ، وأذلهم وأخزاهم ، وجعلهم عبرة لغيرهم ، وأي خزى أشد من أن يروا مقطوعين من خلاف ، أو يراهم الناس مصلوبين ، أو يحبسوا ، أو يبعدوا في أقاصي الأرض فهو خزى نالهم ، وفيه عبرة لغيرهم . هذا هو عقاب الدنيا ، أما عقاب الآخرة ، فهو عذاب عظيم ، شديد ، عظيم في شدته جزاء ما اقترفوا وإن ذلك العقاب ثابت لهم ما استمروا على غيهم ، فإن تابوا فهي تجب ما قبلها ؛ ولذا قال سبحانه : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي أن العقاب لمن استمروا في جريمتهم ، حتى غلبوا ، واستمكن الحاكم من جمعهم ، وصاروا في قبضة يده ، ولكن من تاب قبل ذلك فإن العفو يشملهم والرحمة تعمهم من الله الغفور الرحيم . انتهينا من الكلام في عقوبات الذين نصبوا أنفسهم لمحاربة الأمن في الدولة والخروج على النظام من غير تأويل يتأولونه ، ولا غاية دينية يحققونها ، بل خرجوا قاصدين الإجرام لأجل الإجرام ، ومحاربة الآمنين وإزعاجهم ، وبينا من الذين ينطبق عليهم وصف الحرابة ، واختلاف الفقهاء في ظل معاني الآية الكريمة ، وفسرنا الآيتين تفسيرا لفظيا ، ولكن لم نتكلم في معنى التخيير في قوله تعالى : أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ، ولم نتكلم في حقيقة التوبة ومعناها في هذه الآية الكريمة ، كما لم نتكلم عن آثارها ، وعن نوع العقوبة أهي حد من حدود ، أم هي قصاص ، وما أثر ذلك بالنسبة للتوبة وفي الحكم ، ولا يتم جلاء ما اشتملت عليه الآيتان الكريمتان من أحكام إلا بالتعرض لهذه الأمور في إيجاز من غير إطناب . ونبتدئ بالتخيير الذي دلت عليه « أو » في النص الكريم ، أيقصد به التنويع بتنويع العقوبة على حسب الجرائم ، فإذا قتلوا قتلوا ، وإذا سرقوا قطعت أيديهم