محمد أبو زهرة

1720

زهرة التفاسير

للتهديد ، فهي لتأكيد العذاب المقبل ولو بتراخ ، وتراخى العذاب مع تأكيده يجعل النفس في فزع حتى يقع . كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ فعذاب هؤلاء الكفار دائم لا مناص لهم من الاستمرار فيه . فكلما أصاب العذاب موضع الإحساس من الجسم أعاد الله تعالى ذلك الإحساس إليه ، وذلك أن موضع الإحساس في الجسم هو الطبقة التي تلاصق اللحم من الجلد ، فإذا فسدت هذه الطبقة ذهب الإحساس بالألم ، ولقد عبر الله تعالى عن موت الإحساس ثم إعادته بقوله تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ، فشبه سبحانه وتعالى حالهم في تعذيبهم بالنار بحال قطع من اللحم تلقى في النار ، فإذا تهدأت الجلود من شدة النار حتى صارت لا تحس بدل الله تعالى هذه الجلود بأخرى ، فيكون العذاب وآلامه في استمرار دائم ! ولا موضع إذن لاعتراض الذين يقولون : كيف يعذب جلد لم يعص لجريمة جلد قد عصى ؛ لأن الجسم المعذب واحد ، ولكن الكلام تصويرى لبيان استمرار الإحساس بآلام العذاب ، فلا ينقلبون كقطعة فحم ، بل يستمر الإحساس بالألم الدائم ، وهذا يتلاقى مع ما روى عن الفضيل في تفسير هذا النص : « يجعل النضج غير نضيج » أي يجعل الجلد مع إصابة موضع الإحساس منه بما يميته لا يموت ، بل يستمر ! ومن العلماء من قال : إن الجلد لا يتغير ذاته بل يتغير وصفه ، فيخلق فيه هذا الإحساس بعد أن يبلى موضع الإحساس بالنار . والغاية أن يذوقوا العذاب ، أي أن يستمروا في ذوقه والإحساس به ، وقد شبه الإحساس بالذوق ، للإشارة إلى عظيم الألم ، لأنهم يحسون به كمن يحس بذوق المرير من الطعام أو بمن يذوق النار ليأكلها ، واللسان أشد أعضاء الجسم حساسية ، فإذا كان العذاب يذاق ، فهذا دليل على شدة الإحساس ، وحيث اشتد الإحساس كان الألم ، وحيث مات الإحساس فلا ألم ، وليس لجرح بميت إيلام ! وقد ختم الله تعالى الآية بما يبين عظم سلطان الله :