محمد أبو زهرة
1713
زهرة التفاسير
وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً أي كفاهم هذا العمل أن يكون إثما بينا واضحا . والإثم والآثام الأفعال المبطئة عن الخيرات التي يثاب عليها ، وهؤلاء قد ارتكبوا بتزكيتهم أنفسهم بغير الحق الأمر البين الذي يبطئهم عن فعل الخيرات ويوقعهم في السوء ؛ ذلك أن هؤلاء ضلوا وحسبوا ضلالهم هو الخير ، ومن كان شأنه كذلك فإنه لا يتجه إلى الخير ؛ لأن الذين يرتكبون الشر ثلاث مراتب : أدناها أنه يقع فيه عن جهل وسفه وحمق ، وهذا قريب التوبة والرجوع إلى الحق ، وهو من الذين قال الله تعالى فيهم إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ . . . ( 17 ) [ النساء ] . والثانية : أن يرتكب السيئات ويوغل فيها ، ولكنه يعلم أنها سيئات لا يمدح فاعلها ، بل يذم ، وأنها لا تستحق التزكية ، بل تستحق اللوم ، وهذا ترجى توبته وعودته إلى الله . والثالثة : أن يزين له سوء أعماله ، فيفعل الشر ، ويفخر به ، وهذا يكون في مرتبة تبطئه أو تبعده إبعادا كليا عن الاتجاه إلى الحق وطلبه . أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ قد رأيت أيها النبي الأمين متعجبا مستغربا حال الذين أوتوا حظا من الكتاب ، وعلموا بعض علم الرسالات الإلهية ، يؤمنون بأردإ العقائد والأخلاق ، وبالطغيان والظلم والاندفاع نحو الشر . فالجبت هنا هو الردىء من الأفكار ، أصله الجبس قلبت السين تاء ، وهو الردىء من الأشياء ، فهؤلاء يؤمنون بأردإ الأوهام ، ويؤمنون مع ذلك بالطغيان والسيطرة الظالمة ، ولذلك يخنعون لكل ذي سلطان ، ويضعون ظهورهم لكل راكب ، ويطغون على كل عادل لا يذل ولا يؤذى ! ! وعبر هنا بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب ، وفي مقام آخر خاطبهم بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ . . . ( 47 ) [ النساء ] ، وذلك لأنهم أنزلت عليهم كتب الرسالة الأولى لنبيهم ، فبمقتضاها يدعوهم إلى الإيمان ، ولذا عبر بالكتاب كله لا ببعضه ، فهم في هذا المقام يخاطبون بمقتضى الكتاب الذي نزل على رسولهم . أما هنا فيذكر حقيقة أمرهم ، وهو أنهم نسوا حظا مما ذكروا به .