محمد أبو زهرة
1714
زهرة التفاسير
ومن جهة أخرى فإن نيلهم أقل قدر من علم الكتاب يتنافى مع إيمانهم بأتفه الأوهام ، وإيمانهم بالظلم والطغيان ، واعتبارهما سبيلا للعيش في الحياة ، فهم ظالمون يرضون بالظلم يقع عليهم ، ويتنافى علم الكتاب مع ممالأتهم لعبدة الأوثان على أهل التوحيد ، فيقولون في المشركين هؤلاء أهدى طريقا من المؤمنين ، وهذا قول الله تعالى : وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا والذين كفروا هنا هم المشركون ، أي أنهم يقولون لأجل إرضاء الذين كفروا وأشركوا وعبدوا الأوثان : هؤلاء في شركهم وعبادتهم غير الله تعالى أرشد طريقا ، وسبيلهم هو سبيل الهداية ، أما سبيل الذين آمنوا بالله وحده ، ولم يشركوا به غيره ، وأذعنوا لأحكام الله تعالى في أوامره ونواهيه ، فليس هو سبيل الرشاد . ويروى أن اليهود عندما بلغ بهم حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم أقصى مداه ، ذهب فريق منهم إلى أهل مكة يحالفونهم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم المشركون : أنتم أهل كتاب ، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا ، فلا نأمن مكركم ، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ، ففعلوا . وقال أبو سفيان : أنحن أهدى سبيلا أم محمد ؟ فقال المتحدث باسم اليهود : ما ذا يقول محمد ؟ قالوا : يأمر بعبادة الله وحده وينهى عن الشرك ، وقال : ما دينكم ؟ قالوا : نحن ولاة البيت ونسقى الحجيج ، ونقرى الضيف ونفك العاني ، قال : أنتم أهدى سبيلا . هذا شأن أولئك اليهود العجب ، وهم قد أوتوا بعض علم الكتاب ، يدفعهم الهوى والتعصب وفساد النفس إلى أن يجعلوا عبدة الأوثان أهدى من عبدة الديان ! . أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً أولئك الذين غلب عليهم الهوى ، ودفعهم تعصبهم الأعمى إلى أن يحالفوا أولياء الشيطان على أولياء الرحمن ويمالئوهم في القول والعمل ، فيسجدوا لأصنامهم ، ويزكوا أفعالهم ،