محمد أبو زهرة

1983

زهرة التفاسير

ومرة يقولون ثلاثة أقانيم ، والذات واحدة ، فإن أردت تفسيرا لمعنى الثالث ، قالوا كلاما لا يمكن أن تقبله العقول المستقيمة . وإن الدارس لتاريخ النصرانية من غير تحيز لهذه الأوهام أو متحيز عليها يرى أنها في ابتدائها ديانة توحيد خالص ، وأنه ما كانت ألوهية المسيح عندهم رائجة ، ولا يعتنقها الأكثرون ، بل كان الأكثرون على أن الله إله واحد ليس له ولد ولا والد ، واستمر الحال كذلك إلى أن أراد قسطنطين أن يدخل في المسيحية ، وقد كان وثنيا ، ولكنه أراد أن يدخلها بعد أن يحرفها ، فعقد مجمع ( نيقية ) سنة 325 ميلادية ، وقد ادعى أن انعقاده للرد على أريوس الذي أنكر ألوهية المسيح ، فكان المجتمعون أكثر من تسعمائة ، وقد كانت الكثرة منكرة ألوهية المسيح ، والذين قالوا ألوهية المسيح 318 فاكتفى بهم وأعلنوا الألوهية ، وعلى رأسهم أسقف الإسكندرية ، ودخل قسطنطين في المسيحية من بعد قرارهم ، وقد استنكر أكثر المسيحيين ما قرره مجمع نيقية ، ولذلك انعقد فوره مجمع ( صور ) ورفض دعوى ألوهية المسيح بالإجماع ، ولكن استخدمت القوة والإرهاب لتشتيت المجتمعين ، وأخذت القوة تعلن الألوهية ، وتخفى الوحدانية . ولم يكن إلى ذلك الوقت أحد يقول إن روح القدس إله ، حتى دعا أسقف الإسكندرية إلى عقد المجتمع القسطنطينى الأول سنة 381 ، فقرر ألوهية روح القدس . وبذلك قالوا ثلاثة ، وبتوالي العصور ، وإخفات صوت المخالفين ، وتقرير التثليث وتثبيته سيطرت الأوهام ، واستقر الأمر على ثلاثة . وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن أن يقولوا ثلاثة ، وأكد سبحانه وتعالى النهى بقوله : انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ وفي التعبير ب « انْتَهُوا » دليل على أنهم لم يعتنقوا ما يدعون اعتقادا جازما ، بل إنهم إن فكروا غيروا ، فكان الأمر بالانتهاء ، وقال انتهوا خيرا لكم ، أي انتهوا يكن الانتهاء خيرا لكم ؛ لأنكم تخرجون من حيرة الأوهام إلى تفكير العقول ، وتدركون الحق ، وتذعنون له ، وتكونون مؤمنين