محمد أبو زهرة
1981
زهرة التفاسير
في شأن أمه مريم البتول : فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا ( 91 ) [ الأنبياء ] وهو جبريل - عليه السلام - ، وقد ذكرنا من قبل قوله تعالى : . . . فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) [ مريم ] . وعلى ذلك يكون معنى قوله تعالى : وَرُوحٌ مِنْهُ أي أنه سبحانه أنشأه بروح مرسل منه ، وهو « جبريل الأمين » ، وقد يقال أنه نشأ بروح منه سبحانه ، أي أنه أفاض بروحه في جسمه كما أفاض بها على كل إنسان ، ولقد قال تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ( 9 ) [ السجدة ] والأول أولى . وعلى ذلك يكون معنى قوله وَرُوحٌ مِنْهُ أي أنه نشأ بنفخ الله تعالى الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية ، ونطفة تتشكل إنسانا ، وذلك بالملك الذي أرسله وهو جبريل وقد تمثل لها بشرا سويا . ولكن قد يسأل سائل لما ذا سماه الله تعالى روحا ، ونقول في الإجابة عن ذلك أن عيسى سمى روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة ، ولأنه غلبت عليه الروحانية ، وإن كان بشرا كسائر البشر ، يأكل ويشرب ، ويمشى في الأسواق ، ولهذا المعنى سمى روحا ، ( ومن ) هنا للابتداء أي أن الروح مرسل من عند الله تعالى ، ونافخ بإذنه . وبهذا الكلام يزول الوهم الذي سلطه الله على عقول الذين غالوا في المسيح - عليه السلام - غلوا بعيدا ، فنحلوه ما ليس له . وما ليس من شأنه ، وجعلوه إلها ، وابن إله ، ومنهم من جعل أمه مريم إلها ، إلى آخر ما توهموا . ولقد لج الوهم ببعضهم فظن أن في القرآن الكريم ما يدل على ما توهموا ، فقد قالوا إن في القرآن ما يدل على أن عيسى - عليه السلام - مؤيد بروح القدس ، فقد قال سبحانه : وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ( 87 ) [ البقرة ] .