محمد أبو زهرة

1980

زهرة التفاسير

مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) [ مريم ] . هذا ما جاء في سورة مريم ، وقد جاء في سورة آل عمران : قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 47 ) [ آل عمران ] . وقال في شأن خلق عيسى من غير أب : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) [ آل عمران ] . وبهذا يتبين أن الله سبحانه وتعالى خلقه بكلمة منه ، وهو « كن » ، كما خلق آدم ، وكان عيسى بهذا كلمة الله لأنه خلقه بها ، فقد خلق من غير بذر يبذر في رحم أمه ، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد ، وللأسباب التي تجرى بين الناس ، بل كان السبب هو إرادة الله وحده ، وكلمته « كن » وبذلك سمى كلمة الله . وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته ، وما كانت الكلمة من الله إلها يعبد ، فضلا عن أنه سمى بذلك ؛ لأنه فعلا نشأ بكلمة ، لا بمنى من الرجل يمنى ، بل كلمته التكوين ألقاها ( أي أوصلها ) إلى مريم فكان التكوين لعيسى . والعبارة الثالثة وَرُوحٌ وهذه أيضا من العبارات التي تعلقت بها أوهامهم ، إذ قد فتحوا باب الوهم فيها حتى غشى عقولهم ، فحجبها ، فظنوا أن هذه الكلمة تدل على معنى الألوهية في عيسى . وإن تتبع هذا اللفظ في القرآن يدل على أنه يراد به أحيانا الروح التي ينشئها الله تعالى في الأبدان ، وينفخ بها فيها ، وتكون بمعنى الملك جبريل عليه السلام ، وتكون بمعنى رحمة ، وليس في ذلك ما يدل على الربوبية أو الألوهية فيمن تقال فيه أو يسمى باسمه ، وقد قيل المعنيان الأولان في شأن عيسى وشأن أمه ، فقد قال