محمد أبو زهرة

1959

زهرة التفاسير

قال الراغب في مفرداته في معنى الرسوخ : « رسوخ الشئ ثباته ثباتا متمكنا ، ورسخ الغدير نضب ماؤه ، ورسخ تحت الأرض ، والراسخ في العلم المتحقق فيه الذي لا يعرضه شبهة ، فالراسخون في العلم هم الموصوفون بقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا ( 15 ) [ الحجرات ] ، وكذلك قوله تعالى : لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ . وإن الله سبحانه وتعالى الحكم العدل تكون أحكامه على مقتضى عدله ، فهؤلاء اليهود ، وإن كثر جحودهم فيهم العلماء المحققون الراسخون ، وإن كانوا مختفين في لجة من جحود اليهود ، هؤلاء الراسخون في العلم الديني ، والعلم برسالته ، وسائر رسائل النبيين هم والمؤمنون سواء ، فهم يعتقدون كل ما يعتقده المؤمنون من صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وصدق سائر الرسالات الإلهية . وهؤلاء قد ضموا إلى صفوف المؤمنين ، بل إنهم صاروا منهم ، وإنما ذكروا كأنهم صنف قائم ، باعتبار أنهم من اليهود ، ولم يكونوا كالمنحرفين البارزين ، وهؤلاء اليهود لم يكفروا بموسى كما لم يكفر سائر المؤمنين بموسى ، ولذلك قال سبحانه وتعالى : يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ أي أنهم يؤمنون بالرسالة المحمدية وكتابها ورسالات الرسل السابقة وكتبها ، فأولئك الراسخون في العلم من بني إسرائيل هم والمؤمنون لم يخرجوا على موسى ، بل آمنوا به أوثق إيمان ؛ لأنهم آمنوا بالرسالات كلها . وقد يقول قائل : إن الله تعالى ذم اليهود عموما ، ثم خص الراسخين بالثناء ، فلم كان التعميم ثم التخصيص ؟ والجواب عن ذلك أن أولئك الراسخين لم يكونوا هم الظاهرين منهم ، بل كان الشر هو الطافح على سطحهم ، فكان من أجل وصفهم عموما بالشر ؛ لأن الجماعة توصف بالشر إذا اختفى الخير فيها ، ثم كان الظاهر هو الشر ، وكان من إنصاف الله تعالى أن ذكر أولئك العلماء المغمورين في وسط جماعة الأشرار ، وبين حقيقتهم ، وانضمامهم إلى جماعة المؤمنين .