محمد أبو زهرة
1960
زهرة التفاسير
هذه حقيقة المؤمنين ومن معهم من الراسخين في العلم من أهل الكتاب ، ثم بين من بعد أعمالهم ، وإيمانهم بالغيب ، فقال : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ذكر في هذا النص الكريم أعظم أعمال الخير التي يقوم بها المؤمن الصادق في إيمانه ، وهي قسمان : عبادة هي تطهير النفس وتهذيبها ، وهي الصلاة ، فإن إقامة الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وتهذب الضمير . والصلاة عمود الدين ، ولب اليقين ، وتهذيب الوجدان ، وتجعل المؤمن يألف ويؤلف ، وتصرفه إلى الخير ، ولذلك ذكرت على سبيل التخصيص ونصبت حيث الظاهر ، لتقدير فعل يدل على الاختصاص ، والمعنى أخص الصلاة بالذكر ؛ لأنها ذكر الله تعالى الأكبر ، وبذكر الله تطمئن القلوب ، وتصفو النفوس وتهذب الضمائر . والقسم الثاني : عبادة هي معونة اجتماعية للمؤمنين ، فهي عطاء بنية العبادة ، وهي تومئ إلى التعاون بين المؤمنين ، بحيث يعين القوى الضعيف ، والغنى الفقير ، وكل امرئ في حاجة أخيه وعونه كما قال عليه الصلاة والسلام : « الله في عون العبد ، ما دام العبد في عونه أخيه » « 1 » ، وكل امرئ مهما يكن يحتاج إلى غيره في ناحية ، ويمد الغير بالحاجة من ناحية أخرى . وقد ذكر سبحانه وتعالى بعد ذلك لب اليقين ، ونور الايمان وما يكون الرسوخ في العلم والعقيدة ؛ فقال سبحانه : وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فالايمان بالله جل جلاله ، وإدراك معنى صفاته ، والإذعان له ، واعتقاد أنه فوق كل الوجود وما فيه وأنه القاهر فوق عباده ،
--> ( 1 ) جزء من حديث رواه مسلم : الذكر والدعاء - فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ( 2699 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، والترمذي : الحدود - ما جاء في الستر على المسلم ( 1425 ) ، وأبو داود : الأدب - في المعونة للمسلم ( 4946 ) ، وابن ماجة : المقدمة - فضل العلم ( 225 ) ، وأحمد : باقي مسند المكثرين ( 7379 ) ، وابن ماجة : القراءات - ما جاء في نزول القرآن على سبعة أحرف ( 2945 ) .