محمد أبو زهرة
1937
زهرة التفاسير
من أهل الكتاب ، وكثيرين من المنافقين منهم لبيان أن الجهر بالسوء لغير مصلحة لا يجوز ، فإعلان سوء المنافقين كان ممن يظلمون ويتعدى إليهم شرهم ، وفي هذه الآيات يبين الله تعالى حال بعض الكافرين وأسباب كفرهم ، ومآلهم ، وأحوال أهل الإيمان ونتائج إيمانهم فيقول سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ الكفر هو الجحود بالحق ، والإيمان هو الإذعان له ، والسير على مقتضاه ، ومن يؤمن بحقيقتين متلازمتين لا تنفصل إحداهما عن الأخرى لا بد أن يكون إيمانه بالحقيقتين معا ، فمن كفر بإحداهما ، لا يعد مؤمنا بهما لأنه لا يمكن فصل الواحدة عن الثانية ، إذ اللازم يقتضى أن يوجدا معا ، أو ينتفيا معا . ومن المقررات أن الإيمان بالرسالة الإلهية والإيمان بالله حقيقتان متلازمتان ، فلا يمكن أن يتحقق الإيمان بالله من غير الإيمان برسله ، ولا يمكن أن يتحقق الإيمان بالرسالة الإلهية إلا على وجه الكمال بأن يذعن لكل رسالة تجىء من الله تعالى . فمن آمن ببعض النبيين وكفر ببعض آخر قامت الأدلة على نبوته لا يعد مؤمنا برسالة الله تعالى ولا يعد مؤمنا بالله تعالى ؛ إذ إنه فصل الجزء الذي لا يتحقق إلا في كل ، وفصل الإيمان برسالة الله عن الله تعالى . وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية صفتين لهم ، ونتيجتين باطلتين : أما الوصفان فهما الكفر بالله ورسله ، ومحاولتهم أن يفرقوا بين الله ورسله . والكفر بالله تعالى هو هنا جحود رسالته الإلهية التي يبعث بها إلى خلقه ؛ لأن جحود رسالة الرسل أو بعضهم مع قيام الدليل عليها جحود بالله الذي بعث بهذه الرسالة ؛ لأن إنكار الرسالة الإلهية لنبي من الأنبياء عصيان لله وجحود به ، وكفر بأصل الرسالات ومرسلها ، إذ إن الإيمان بالله تعالى يستلزم الإيمان بأنه لم يخلق الناس سدى ، والإيمان بعقابه وثوابه وحسابه والإيمان بأنه يرسل الرسل مبشرين ومنذرين ، فمن أنكر رسالة رسول من الرسل فقد كفر بالله وكفر برسله ؛ لأن الكفر برسول ينسحب عليه بقية الرسل ، إذ إن ما ثبت من تكذيب لرسول ، فقد كذب الباقين ، فمن كفر بموسى فقد كفر بمحمد وإبراهيم وعيسى ، وغيرهم من الرسل .