محمد أبو زهرة

1938

زهرة التفاسير

والوصف الثاني إرادتهم أن يفرقوا بين الله والرسل ، بأن يعلنوا إيمانهم بالله خالق السماوات والأرض ، والإنكار لبعض الرسل ، فإن ذلك تفريق بين الله ورسله ، إذ إن علاقة الرسل بخالق السماوات والأرض واحدة ، ومن كفر ببعض الرسل ، فإنه يفرق بين الله وأولئك الرسل الذين كفر بهم ، فاليهود يفرقون بين الله ورسله ؛ لأنهم لا يؤمنون بعيسى ابن مريم ، ومحمد بن عبد الله ، وهم بذلك يفرقون ، وقد فسر بعضهم إرادتهم التفرقة بين الله ورسله أنهم يؤمنون بالله تعالى ، وينكرون الرسالة الإلهية ، وهو تفسير يحتمله النص ، ولكنه بعيد لأن السياق يأباه . وأما النتيجتان الباطلتان فهما قولهم نؤمن ببعض ونكفر ببعض ، واتخاذهم بذلك سبيلا بين الإنكار المطلق ، والإيمان الكامل ، وإن ذلك القول متلازم مع الكفر بالله وبرسله إذ إن الإيمان بالله تعالى حق الإيمان ، والتصديق بالرسالة الإلهية حق التصديق يستلزم ، كما نوهنا الإيمان بكل الرسل ؛ لأنهم جميعا أتوا بغاية واحدة ، وهي إصلاح الخليقة في ناحية رسالة كل رسول ، وحثها على الجادة المستقيمة والإنذار والتبشير ، ولا يصح لهذا أن يقال نؤمن ببعض الرسل ونكفر ببعض لأن الكفر بالبعض كفر بالكل ، إذ هو جحود للغاية من الرسالة ، وجحود بذات الرسالة . وأما إرادتهم اتخاذ سبيل أي طريق وسط بين الإيمان الكامل بكل الرسل ، والكفر الكامل بكل الرسل ، فمؤداه أن يكونوا في حال بين الإيمان والكفر . ولا شك أن هذه الحال ليست إيمانا بالله ورسله وليس بعد الإيمان إلا الكفر ، فهم داخلون في سلك الكافرين ، سواء أكانوا مؤمنين بالبعض أم كافرين بالكل ، ولذلك حكم الله تعالى بهذا الحكم الحاسم الفاصل ما بين الكفر والإيمان بقوله تعالى : أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا التعبير بالإشارة للإفادة إلى أن هؤلاء الذين قالوا ذلك القول ، وجحدوا ذلك الجحود بسبب هذه الأقوال وتلك الأحوال كافرون كفرا لا مجال للشك فيه ، وقد أكد - سبحانه وتعالى الحكم عليهم بالكفر بثلاثة مؤثرات : أولها - الإتيان بكلمة « هم » الدالة على تأكيد الحكم ، وقصرهم على الكفر وإثبات أنهم لا يخرجون عن دائرة الكفار يسارعون فيها ولا ينتقلون منها .