محمد أبو زهرة
1925
زهرة التفاسير
مسلمون ، وقريب منهم الذين يتأولون النصوص من غير حجة في التأويل ويعبثون بظواهرها القاطعة لهوى الحكام . هذا عقاب المنافقين في إيمانهم في الآخرة ، ولهم عقاب في الدنيا والآخرة ، ذكره سبحانه بقوله تعالى : وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً نفى الله تعالى عنهم نفيا مؤكدا ، أن يكون لهم نصراء ، وجعل الخطاب موجها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي ذاق آثار نفاقهم ، وذاق المؤمنون معه مرارة ذلك النفاق ؛ لأن في ذلك تثبيتا للمؤمنين ، حتى لا يتزلزل أحد منهم بعمل المنافقين الذي مردوا عليه ، ولم يتراجعوا عنه ، ولأنهم أرادوا بالنفاق الاستنصار بغير دولة الحق ، لتفوز دولة الباطل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر الله تعالى لنبيه أنه لن يجدهم منصورين عليه أبدا لأنهم لا ناصر لهم . وإن هؤلاء لن يكون لهم نصير يوم القيامة ؛ لأنه لله وحده ، ولن يجدوا نصيرا يخلص في النصرة لهم في الدنيا ؛ لأن النفاق يسلب الثقة عنهم ، فلا ينصرهم أحد ممن يستنصرون بهم ، بل إنهم يستخدمون شرهم ، ولا يعطونهم خيرا ، وما وجدنا منافقا في الماضي أو الحاضر يخون قومه ، وينال نصرة صحيحة ممن ينافق لأجلهم ، فتلك سنة الله تعالى في المنافقين : وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً . إن الله سبحانه وتعالى ذكر المنافقين بما يدل على أنهم أركسوا في الشر ، وطغى على قلوبهم ، وأغلق باب الهداية عليهم ، حتى أن رجوع المشرك عن شركه أقرب من رجوع المنافق عن نفاقه ، فغلاف القلوب قد ينكشف ولكنه سبحانه مقلب القلوب ، فقد تكون من المنافق توبة ، ولذلك فتح الله سبحانه وتعالى بابها بقوله سبحانه في هذا الاستثناء : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ الاستثناء هنا منقطع ؛ لأن الذي يتوب التوبة النصوح لا يمكن أن يعد في صفوف المنافقين الذين يستحقون الدرك الأسفل من النار ؛ ولذا نقول إن المعنى هو : لكن الذين تابوا من النفاق وخرجوا من صفوفه يكونون مع المؤمنين ، وإن أولئك الذين يخرجون من أوكار