محمد أبو زهرة

1926

زهرة التفاسير

النفاق ، قد ذكر الله تعالى لهم أوصافا أربعة هي التي تخرجهم من زمرة المنافقين إلى جماعة المؤمنين . أول هذه الأوصاف : التوبة ، وهي التوبة النصوح ، وأركانها ثلاثة - أولها إدراك لقبح العمل ثم الندم على ما كان منه ثم الإقلاع وأن يعزم على ألا يعود إليه من بعد أبدا ، فإذا تحققت هذه الأركان فإن الله يفتح قلب العبد لنور الهدى ، ويأخذ بيده إلى سلوك طريق الحق المستقيم . والوصف الثاني : أن يكون التطهير القلبي له مظهر عملي ليقوى ، وذلك بالإصلاح ، بأن يتجهوا في ذات أنفسهم إلى الأعمال الصالحة التي هي مظهر الإذعان والتوبة ، فكل ما يكون في النفس من درن النفاق يطهرها منها بالاستمرار على العمل الصالح ويدوم عليه ، فليست التوبة ، كلاما باللسان ، ولكنها طهارة للوجدان ، ومع إصلاح النفس وتقوية عزيمتها يتجه إلى الإصلاح في الأرض وعدم الإفساد فيها ، فلا يفسد بين الناس ، ولا يغرى بالعداوة بينهم ، ولا يخذل أهل الحق ، وينصر أهل الباطل ، فالإصلاح المطلوب يتضمن عناصر ثلاثة ، تطهير النفس من أدناس النفاق كلها ، فيخرجها منها كما يخرج الذهب الخالص مما اختلط به ، والعنصر الثاني العمل الصالح يقوم به لذات نفسه وللناس ، والثالث أن يكون بين الناس عنصر إصلاح وتوفيق ، لا عنصر إغراء وتوهين للجماعة . والوصف الثالث : الذي يلتحق به بأهل الإيمان الاعتصام بالله ، والاعتصام به سبحانه هو التمسك بأوامره ونواهيه والالتجاء إلى كتابه وسنة رسوله ، وهذا هو المذكور في قوله تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ( 103 ) [ آل عمران ] والاعتصام بالله يقتضى ألا يجد المؤمن ملجأ إلا في جماعة المؤمنين ، فلا يستنصر بغيرهم ، ولا يجعل ولاءه لمن دونهم ، فذلك شر بلايا النفاق . الوصف الرابع : الإخلاص في دين الله ، بأن يجعل كل قلبه لله تعالى ، ولا يجعل في قلبه مكانا لغير الله تعالى ، وأن يجعلوا طلبهم الدين لأجل الله تعالى لا لدنيا يصيبونها ، ولا لهدف غير الإيمان يستهدفونه ، فيطلبون الحق لوجهه ، وينفذون كل