محمد أبو زهرة

1924

زهرة التفاسير

ولكن من هو المنافق الذي يستحق أشد العقاب ، ويكون في أعمق النيران يوم القيامة ؟ نقول في الجواب عن ذلك إنه المنافق الخالص الذي لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط ، ولكن هو الذي كفر بالله وبالرسالة المحمدية ، وأغلق باب الإيمان في قلبه ، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم . ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها ، وهو أشد الكفر ، ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين ، ولا تخرج المسلم عن إسلامه ، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا ، ومن ذلك ممالأة الحكام ، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا ، وخداعا . وقيل لابن عمر - رضي الله عنهما - : « ندخل على السلطان ، ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه ، فقال - رضي الله عنه - : ( كنا نعده من النفاق ) . ولقد جاء في الحديث النبوي الشريف ما يفيد أن المنافقين فريقان ، فريق خلص للنفاق ، وهذا منكوس القلب والنفس والفكر ؛ وقسم فيه خصلة من النفاق ، وهذا يتنازعه الخير والشر ، ولنضيء القرطاس بنور الرسالة ، فقد قال - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه الإمام أحمد : « القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس ، وقلب مصفح ، فأما القلب الأجرد ، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره ، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر ، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص ، عرف ثم أنكر ، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم ، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه » « 1 » . وإننا لهذا نقول إن النفاق في داخل الإسلام مراتب ، وأعلاها أولئك الذين يتملقون الحكام ، وينحدرون إلى درجة وضعهم في مقام النبيين ومنهم من يذهب به فرط نفاقه ، فيفضل بعض عملهم على عمل النبيين ، وهؤلاء نتردد في الحكم بأنهم

--> ( 1 ) أجرد : ليس فيه غش ولا خداع . أغلف : عليه غشاء من سماع الحق وقبوله . مصفح : ذو وجهين اجتمع فيه نفاق وإيمان . والحديث رواه أحمد : باقي مسند المكثرين - مسند أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ( 10745 ) .