محمد أبو زهرة

1923

زهرة التفاسير

تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ والدرك أقصى بر البحر ، وسميت مراتب النزول دركات لأنها متداركة متتابعة . . وإن جهنم طبقات بعضها أسفل من بعض ، وإن أسفلها أقساها عذابا ؛ لأنها تتكاثف عليها ما فوقها من طبقات ؛ ولأن أعمق النيران أشدها توهجا ، وأكثرها لهيبا . والمعنى : إن المنافقين الذين مردوا على النفاق واستمرءوه ، صار وصفا لهم يمالئون الكافرين ، ويخذلون المؤمنين ، ينالهم عذاب يوم القيامة على أشده ، وأشده هو أعماق جهنم ، وهي الهاوية التي تهوى بهم أعمالهم فيها ، وإن هذا النص الكريم يفيد أن جهنم طبقات ومنازل ، وأن العقاب فيها مرتب على طبقاتهم ، وهي كلها عذاب أليم ، وقد وصفها القرآن الكريم بأوصاف كلها تنبئ عن الشدة في العذاب ، فذكرت باسم « جهنم » ، وهو ينبئ عن التردى في النار ، ووصفت بأنها « لظى » ، وبأنها « الحطمة » ، ثم « السعير » ، ثم « سقر » ، ثم « الجحيم » ، ثم « الهاوية » ، وقال بعض العلماء إنها مرتبة في مقدار شدتها بهذا الترتيب ، والله أعلم بما يكون يوم القيامة . ولما ذا كان المنافقون في الدرك الأسفل في الهاوية من العذاب ؟ قد أجاب عن ذلك العلماء بأن المنافق أوغل في فساد النفس من أي مشرك كافر ، وقد جعل الله تعالى لآل فرعون الذين مالئوه وعاونوه في طغيانه أشد العذاب ، فقال سبحانه : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ( 46 ) [ غافر ] . وأولئك في كفرهم ونفاقهم أكثر إيذاء من أي كافر سواهم ، ذلك أنهم جمعوا بين الكفر ، والفسق والتضليل والتغرير والكذب ، وتعرف أسرار المؤمنين وكشفها ، وإظهار عورات المسلمين في الحروب ، وإفساد لجماعة المؤمنين بإشاعة قول السوء بين المؤمنين ، واستغلال ضعف الضعفاء منهم ، وتوهين أمر المؤمنين بسبب ذلك الاستقلال ، كل هذه جرائم متتابعة تدل على أن نفوسهم قد فسدت ، وقلوبهم قد شغرت « 1 » من كل خير ، والكافر الجاحد أقرب إلى الهداية من هؤلاء ، فكان عقابهم أشد ؛ لأن جرائمهم أشد .

--> ( 1 ) أي خلت .