محمد أبو زهرة
1916
زهرة التفاسير
وهنا نجد النص فيه عمل أهل النفاق ، وهو أنهم يخادعون الله ، وعمل الله تعالت قدرته عليهم ، وهو أنه خادعهم ، وقد تكلم العلماء في معنى مخادعتهم لله تعالى ، وكلامهم ينتهى إلى تخريجين . أحدهما - أن معنى مخادعتهم لله تعالى أنهم يعاملون الله تعالى كأنهم يخادعونه ؛ إذ يظنون أنه يخفى عليه أمرهم فيعلنون غير ما يبطنون ، ويظنون أن الله تعالى لا يعلم ما في قلوبهم ، وخفايا نفوسهم ؛ وذلك لأن المخادع يتوهم أن من يخادعه لا يعلم أمره ، فهؤلاء لفرط جحودهم ، وكفرهم بالله وجهلهم لذاته وصفاته يتوهمون أن أمورهم خافية عليه ، وأنهم معه كأمرهم مع الناس ، إذ يخفون ما لا يبدون . والثاني - أن معنى مخادعتهم لله أنهم يخادعون النبي والمؤمنين ؛ إذ هم أولياء الله تعالى ، ومن يخادعهم كأنما يخادع الله سبحانه وتعالى ، وقد وضح هذا التخريج الراغب الأصفهاني ، فقال : « الخداع إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما يخفيه . قال تعالى : يُخادِعُونَ اللَّهَ أي يخادعون رسوله وأولياءه ، ونسب ذلك إلى الله تعالى من حيث إن معاملة الرسول كمعاملته ، ولذلك قال الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ( 10 ) [ الفتح ] » . وجعل ذلك خداعا له تفظيعا لفعلهم وتنبيها على عظم الرسول وعظم أوليائه ، وقول أهل اللغة إن هذا على حذف مضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، فيجب أن يعلم أن المقصود بمثله في الحذف لا يحصل لو أتى بالمضاف المحذوف لما ذكرنا من التنبيه على أمرين : أحدهما فظاعة فعلهم فيما تحروه من الخديعة ، وأنهم بمخادعتهم إياه يخادعون الله ، والثاني التنبيه على عظم المقصود بالخداع ، وأن معاملته كمعاملة الله تعالى . ومرمى هذا الكلام هو بيان منزلة الرسول وأولياء الله ، وأن خداعهم خداع لله وهو أمر فظيع ، وأن الأصل هو أن الكلام على حذف مضاف وهو الرسول والمؤمنون ، وكأن نسق الكلام : يخادعون رسول الله ، فحذفت كلمة الرسول ،