محمد أبو زهرة
1917
زهرة التفاسير
وأقيم المضاف إليه وهو الله تعالى مقام المضاف تفظيعا لعملهم ، وإعلاء لقدر الرسول والمؤمنين . وفي الحق إن التخريجين يمكن الجمع بينهما ، فهم يعاملون الله تعالى معاملة من يظنون أنهم يخادعون لعدم إيمانهم بالله ، وهم يخادعون أولياءه ومن هذا الطريق أيضا يخادعون الله تعالى . ومعنى خدع الله تعالى لهم أنهم مقابل ذلك الخداع الذي يصنعونه يجزون بجزائه ، وهو ثمرة له ، فمعنى خدع الله تعالى مجازاتهم على نفاقهم ، ومحاولتهم خداع الرسول ومن معه . ويصح أن يقال إن معنى خدع الله تعالى أن يرد عليهم كيدهم في الدنيا ، فيأتيهم سوء العاقبة في الدنيا من حيث كانوا يظنون أنهم واصلون إلى مقاصدهم ؛ إذ يحسبون بنفاقهم أنهم واصلون إلى غاياتهم ، فيأتيهم الله تعالى من حيث لم يحتسبوا ، ويظنون أنهم مجهولون ، والله تعالى كاشفهم . وهنا إشارة بيانية دقيقة ، وهي أنه سبحانه وتعالى عبر عن خداعهم بصيغة تدل على المشاركة والمغالبة ، وأنهم قد ينجحون وربما لا ينجحون ، أما خداع الله تعالى لهم ، فلم يعبر عنه بصيغة المشاركة بل عبر سبحانه بقوله : وَهُوَ خادِعُهُمْ للدلالة على الغلب ، وأن الله تعالى لا محالة كاشف أمرهم ومزيل مغبة خداعهم ، ومحاسبهم لا محالة على ما يرتكبون . وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ هذه حال من أحوال المنافقين تدل على مقدار نفاقهم وتظهره ، وهي أيضا من قبيل الخداع لله ولرسوله ، وللمؤمنين وذلك في الصلاة ، ففي المظهر الحسى لها يقومون كسالى متثاقلين ، لا نشاط يحركهم ولا إيمان يبعثهم ، وهذا مظهر يريدون به إظهار الإيمان ، وهو يكشف عن خبيئة أنفسهم ، ولذلك جعل النبي هذا النوع من الصلاة شيمة النفاق ، فقد قال صلى الله عليه وسلم ذاما الذي صلى على هذا النحو : « تلك صلاة المنافقين ، تلك صلاة