محمد أبو زهرة
1911
زهرة التفاسير
تتمسك بالحق ، فالحق فيه العزة ، وهو الذي يكون من عند الله ، فلا عزة إلا من الله ، والذل حيث لا يريد وجه الله . وإن أولئك المنافقين لفرط كفرهم وإيغالهم في البعد عن الله يشاركون الذين يثيرون السخرية عند تلاوة القرآن ، ولذا قال سبحانه : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا إن المنافقين يوالون الكفار ويجعلون الولاية لهم ، ويجلسون معهم مستهزءين ساخرين معاندين الله تعالى مع أنه سبحانه وتعالى نزل في كتابه المحكم أنكم إذا سمعتم أيها المخاطبون بالحقائق الإسلامية الذين يتحدثون ساخرين بالقرآن ، فلا تقعدوا بل اتركوا مجلسهم وأعرضوا عنهم حتى يخوضوا أي يتكلموا في حديث غيره ، والذي نزل في القرآن ونهى عن الجلوس مع الذين يستهزءون بما جاء به هو في سورة الأنعام المكية التي نزلت قبل سورة النساء المدنية ، وهو قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ( 68 ) [ الأنعام ] . والخطاب في قوله تعالى : « عَلَيْكُمْ » لعامة الذين يتلون القرآن الكريم من مؤمنين صادقين ، ومنافقين ، ومؤدى الكلام أنه من المنهى عنه أن يجلس المسلم مع مثير السخرية على آي القرآن ، والمشركون يفعلون ذلك ، ومع ذلك لا يكتفى المنافقون بهذا ، بل إنهم يولونهم أمورهم ، ويجعلون عزتهم منهم ، ويكون ضمير الغيبة عائدا على الكافرين . وبعض العلماء قال إن الخطاب للمنافقين وهو لا يخرج عن المعنى السابق . وأرى أن الخطاب كله للمؤمنين ، وفيه تحذير للمؤمنين من أن يجالسوا المنافقين إذا استهزءوا بآيات الله تعالى ، وسخروا من الأحكام الإسلامية ؛ لأن سماع الشر شر ؛ ولأن سماع الاستهانة بالقرآن قد تؤدى إلى الاستهانة من السامع ، فأول الشر سماع الشر ، وإن أولئك المنافقين يبدو في مجالسهم كلمات الكفر وكلمات الاستهزاء .