محمد أبو زهرة

1910

زهرة التفاسير

وإن الذين تكون أوصافهم هكذا هم كافرون . والولاء قسمان : ولاء نصرة وانتماء ، وهذا منهى عنه من المؤمنين إلا بالضرورة ، وولاء مودة ومحبة ، وهذا غير منهى عنه بالنسبة لغير المسلمين إلا إذا كانوا قد حاربوا الله ورسوله وخرجوا محاربين له منابذين . وقد استنكر سبحانه وتعالى أن يكون لهؤلاء المنافقين ما يبرر هذا الولاء ، ولذا قال سبحانه وتعالى : أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً إن هؤلاء المنافقين تضل أفهامهم ، ويطمس على مداركهم ، ويفسد تفكيرهم ؛ لأنهم مردوا على الابتعاد عن الحقائق والحكم على الزمان بحالهم الوقتية ، ولا تنفذ عقولهم إلى ما وراء ظاهر الأمور ، فهم يطلبون العزة من غيره . والاستفهام هنا لإنكار الواقع ، أي للتوبيخ على أمر وقع منهم ، وهو أنهم يطلبون العزة ويريدونها إرادة شديدة راغبين فيها من الكافرين الذين لا يملكون أن يعزوا غيرهم لأنهم يعاندون الله تعالى ، ولا عزة لمن يجحد ويعاند الله العزيز الحكيم . وقد أكد الله تعالى ذلك المعنى بقوله تعالت كلماته : فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أي أنه لا عزة إلا ما يكون من عند الله تعالى ، ولمن يطيع أوامره ، وينتهى عن نواهيه ، وقد أكد الله تعالى أن العزة له وحده بعدة مؤكدات منها التوكيد ب « إن » ، ومنها ذكر لفظ الجلالة ، ومنها ذكر عمومها بكلمة جَمِيعاً . إن العزة لله وحده ، فليس بعزيز من يعانده ؛ إذ ليست العزة غطرسة وكبرياء ، ولكنها معنى نفسي يسكن في القلب فيحس باستعلاء على مظاهر الحياة ، واستجابة لمعانيها وأولئك الذين يريدون العزة من غيرهم يبنونها على أوهام ، وعلى مطامع مادية ، وليست هذه العزة ، إن كل استعلاء يبنى على أمر مادي ، أو جاه خارجي ، أو مطمع دنيوي ، إنما هو وهم سرعان ما يزول ، وتذل النفوس التي لا