محمد أبو زهرة

1896

زهرة التفاسير

ومعنى الشهادة لله تعالى ، أن يقول الحق طلبا لرضا الحق جل جلاله ، لا يلتفت إلى رضا المخلوق ، أيا كان ذلك المخلوق ، فإن تحرى رضا المخلوق قد يذهب بالحق ، ويضعف سلطانه ، وإن الشاهد إذا لاحظ جانب الله في شهادته قال الحق من غير تلعثم ولا اضطراب ، وأفاض الله تعالى عليه نورا ، فلا يضل في شهادته ، ولا يخطئ ناحية من نواحي الحق . وقد فهم بعض المفسرين أن قوله تعالى : شُهَداءَ لِلَّهِ حال من الذين آمنوا ، والمعنى على هذا كونوا قائمين بالحق حال كونكم شهداء به لله تعالى ، وعلى هذا التفسير تكون القوامة على الحق مقصورة على الشهادة غير عامة . وقد ضعفه أكثر المفسرين . وجمهورهم على أن قوله تعالى « شُهَداءَ لِلَّهِ » خبر بعد خبر ، أي أن هناك أمرين طلبهما المولى جل شأنه : أولهما : القوامة بالقسط ، وهذا عام للشهادة وغيره . وثانيهما : أنه خص الشهادة بالذكر ، لأنها السبيل للحق ، والشهادة لأجل رضا الله تعالى هي السبيل لكل عدل وكل حق . والشهادة لله تعالى توجب ألا يحابى قريب لقرابته ، ولا يحابى غنى لغناه ، ولذا قال تعالى : وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ والمعنى اجعلوا الشهادة لله تعالى فلا تنطقوا إلا بالحق ، ولو أدى ذلك إلى أن تكون العاقبة ألما ينزل بالوالدين والأقربين ، فالمحاباة على حساب الغير ظلم ، وصلة الرحم لا تبرر الظلم ، وليس من الإحسان إلى الوالدين أن تقرهما على الظلم ، وترضى لهما أن يأكلا الحقوق ، كما أنه لا يصح أن تكون الرحمة بالأقارب الأقربين طريقا للظلم ، فإن هذه لا تكون رحمة حقيقية ، ولكنها شفقة جنونية ، فالأولى حملهم على الحق ، وذلك بأداء الشهادة لله ، وبالحق . وقد يسأل سائل : ما معنى الشهادة على النفس ، وقد أجاب عن ذلك المفسرون بأن الشهادة على النفس هي الإقرار عليها بما ارتكبت ، وقد قال