محمد أبو زهرة

1897

زهرة التفاسير

الزمخشري أن يشهد بما يؤدى إلى وبالها ، بأن يشهد على سلطان ظالم فيؤذيه ، وقد قال في ذلك - رضي الله عنه - : « ويجوز أن يكون المعنى وإن كانت الشهادة وبالا على أنفسكم أو على آبائكم وأقاربكم ، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره » . وإنه بهذا الذي قرره جار الله الزمخشري ننتهى إلى أن الشهادة على الوالدين والأقربين تكون بإلزامهم بحقوق عليهم مباشرة ، وتكون بالنسبة للأنفس بالإقرار بإلزامها ، وتكون بالشهادة في الأمور التي ربما تؤدى إلى الإضرار بهم كشهادتهم في أمر عام قد يؤدى إلى حرمانهم من المزايا التي يطلبونها ، كمن يشهد بمجرى ماء لشخص تؤدى إلى حرمانهم من بعض ما يبغون ، وقد تكون بالشهادة على أصحاب السطوة الذين يؤذون من يشهد عليهم . . . وهكذا . وإنه قد قال قتادة في معنى هذه الآية : « أقم الشهادة يا بن آدم ، ولو على نفسك أو الوالدين ، أو الأقربين ، أو على ذي قرابتك ، وأشراف قومك ، وإنما الشهادة لله ، وليست للناس ، وإن الله تعالى رضى بالعدل لنفسه ، والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض ، به يرد الله من الشديد على الضعيف ، ومن الكاذب على الصادق ، ومن المبطل على المحق . . . وبالعدل يصلح الناس » . وقد يكون سبب الانحراف في العدل أو الشهادة أن تكون الخصومة بين غنى وفقير ، فقال سبحانه : إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما أي لا يصح أن يكون اختلاف المتخاصمين أو المتعاملين ، أو المشتركين غنى وفقرا سببا في اجتناب العدالة ، فلا يمنع الغنى حقا لغناه ، ولا يعطى أحد غير حقه لفقره ، كما لا يصح أن يحابى الغنى أو يعفى من العقاب لجاه ماله ، ويعاقب الفقير بعقوبة أشد لفقره ، فالفقر والغنى بأمر الله تعالى ، ولذا قال : فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما أي فالله سبحانه وتعالى هو الأولى والأجدر بحساب الغنى والفقير ، وهو الذي رتب الحقوق والواجبات ، وقسم الأموال بحكمته ، ونظمها بإرادته ، وهو الأعلم بمصالح العباد ، وهو الذي