محمد أبو زهرة
1895
زهرة التفاسير
وثالثها : أن يرعى العدل في غيره ، فلا يعدل فقط في القضية التي تعرض عليه ليقضى فيها ، بل يعمل على منع الظلم حيث كان ، وأيا كان ، فليس قواما بالقسط من يرى مظلوما يظلم ، أو ضعيفا يهضم ، ولا يمنع الاستمرار في ظلمه ، ولو لم يكن قاضيا يحكم بين الناس ، وهذا تطبيق لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ، ثم تدعون فلا يستجاب لكم » « 1 » . وقد أمر الله تعالى بالعدل بهذه الصيغة فقال : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ فلم يقل تعالت كلماته « اعدلوا » ، أو « قوموا بالقسط » . . بل قال سبحانه : كُونُوا وهذا التعبير يقتضى أمرين : أحدهما - أن يروضوا أنفسهم على العدالة ، ويربوها ويعلموها لشباب هذه الأمة ، ويفطموا النفوس عن شهواتها ، فإنه لا يذهب بالعدل إلا الشهوة ، فليربوا أنفسهم على السيطرة عليها ، وجعلها أمة ذلولا ، لتكون النفس عادلة دائما . وثانيهما - أن ينصبوا أنفسهم لنشر لواء العدل ، فلا يتركوا ظالما يرتع ، ولا مظلوما يخضع ، سواء أكان الظالم فردا أو جماعة ، أم كان أمة ، فأمة العدل يجب أن تكون قوامة بالعدل . وإن القوامة على العدل توجب عدالة الإنسان في نفسه ، وأهله ، وولده ، وصحبه ، وكل من يتصل به ، وتوجب منع الظلم أنى يكون ، وتوجب العدل في الولاية والقضاء ، والصلح بين الناس . وهناك أمر هو سبيل الحق ، وطريق معرفته ، وهو الشهادة ، إذ هي السبيل للعدل في القضاء والولاية والصلح ، وهي سبيل إحقاق الحق ، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى : شُهَداءَ لِلَّهِ .
--> ( 1 ) سبق تخريجه .