محمد أبو زهرة

1892

زهرة التفاسير

آخر يعبده ويؤمن به فإنه الفاعل المختار المريد ، ويكون القصد بيان قدرة الله تعالى الشاملة ، وإثبات أن كفر الكافر ليس بعيدا عن تقديره ، وإيمان المؤمن كذلك ، فهو الذي خلق الإنسان صالحا لأن يسلك طريق الشر وطريق الخير ، وأن ذلك بإرادته ، ولو أراد غيره لكان ما أراد لأنه هو الذي يقول للشئ كن فيكون ، وهو الذي خلق الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ، ويكون ذلك كقوله تعالى : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( 16 ) [ فاطر ] . وعلى التوجيه الثاني - وهو أن يكون الخطاب للمشركين الكافرين بالرسالة المحمدية والمسلمين الذين يكونون على طرف الإسلام - يكون المعنى إن استمررتم على الشرك أو كان منكم الكفر بعد الإيمان ، فإن الله تعالى بمقتضى سننه في الفطرة الإنسانية يفنيكم بإذهاب قوتكم وسيطرة الفساد عليكم ، ويجئ من بعدكم من ينصر الحق ، ويكون النص كقوله تعالى : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ( 38 ) [ محمد ] وكقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ( 54 ) [ المائدة : 54 ] وقد ذيل الله سبحانه النص الكريم ببيان قدرته الكاملة على ذلك التغيير ، فقال تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً أي أن الله سبحانه وتعالى قدير على ذلك التغيير والتبديل الذي تستغربونه وتستبعدونه ، وقد قدم الجار والمجرور وهو قوله عَلى ذلِكَ لموضع الاهتمام وهو التغيير والتبديل ، الذي يستبعدونه لفرط إحساس المشركين بقوتهم ، وغرورهم بدولتهم ، واستضعافهم لشأن المؤمنين الصادقين . مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ الثواب ما يعود على الإنسان من أي عمل يعمله ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، ثم أطلق الثواب في القرآن على الجزاء ، وذلك في مقابل العقاب الذي هو جزاء الشر ، والمراد هنا على هذا الأساس نعيم الدنيا ، والنتائج الطيبة لأعمال الدنيا . ومعنى النص السامي من يكون من شأنه وطوية نفسه أن يطلب نعيم الدنيا وما فيها من خير ، فإن الله