محمد أبو زهرة
1865
زهرة التفاسير
ذكر الله سبحانه في الآيات السابقة ما عاهد الشيطان عليه نفسه الشريرة ، من أنه سيتخذ نصيبا مفروضا مقدرا من بني آدم عباد الله سبحانه ، بين الله سبحانه إضلاله لهم ، وطريق هذا الإضلال ، وهو أن يمنيهم بالأمانى الكاذبة ، فيهيموا في أحلام لا أصل لها ، ويجعلهم بها في أوهام ، فيقطعون آذان الأنعام من غير مبرر معقول ، ويغيرون خلق الله من غير مبرر ، ويحسبون ذلك عبادة يتقرب بها ، ولكنهم بها يتخذون الشيطان وليا فيغرهم ويخدعهم ، ويكونون في ضلال ، ولذلك قال سبحانه وتعالى : وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ يؤكد الشيطان كما ذكر الله أنه سيضل عباده ، ويبعدهم عن الحق ، ليسيروا في الباطل إلى أقصى مداه ، ويتجنبوا الحق في كل مسالكه . وإنه قد بين سبحانه طريق الشيطان في الإضلال ، كما ذكرها على لسانه فقال : وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ؛ أي لأجعلنهم يتمنون الأماني . والمعنى أن الشيطان في إضلاله للعباد يخلق في صدورهم أماني يتمنونها ويطمعون في تحقيقها ، فتستولى على نفوسهم ، وينفذ إليهم من طريق المطامع ، بأن يودع في أنفسهم أوهاما يظنونها تحققها ، فكلما تمنوا ألقى الشيطان في أمنيتهم أوهاما معها ، فيصيرون خاضعين له على الدوام ، والمؤمن يصون نفسه من الأماني ، فلا يخضع للشيطان ابتداء . وقد قال تعالى في صور الأوهام التي يضعها الشيطان في نفوسهم ، فيكون كالآمر لهم : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ والبتك معناه القطع ، وقد اختص بقطع أعضاء الجسم أو الشعر ، والمراد بالقطع هنا ما كانوا يفعلونه ، إذ كانوا يقطعون آذان الأنعام ، أو يشقونها شقا واسعا ، ويتركون الحمل عليها ، ويفعلون ذلك كأنه أمر تكليفي مطلوب منهم تقربا للأوثان ، وما كان ذلك الأمر إلا من الشيطان الذي زين لهم ذلك فاتبعوه ، فهو كالآمر لهم الذي يجعل ما ليس بعبادة أصلا عبادة ، وإن ذلك تشويه لما خلق الله سبحانه وتعالى . يروى في ذلك أن أبا الأحوص من الصحابة أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان رث الهيئة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « هل لك من مال »