محمد أبو زهرة
1863
زهرة التفاسير
أنثى ، وبكتهم بها ، ونبههم على جهلهم واعتقاداتهم فيها ، مع أنها آلهة لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ، بل لا تفعل فعلا بوجه من الوجوه » . وخلاصة هذه التعليلات أن الله تعالى يبين ضلال الشرك بأن العابد فيه لا يعبد إلا ما هو كالإناث ، يحتاج إلى من يحميه ولا يحمى أحدا ، ويترك عبادة الله تعالى القهار القادر على كل شئ . الذي لا يوجد ذو قوة في هذا الوجود إلا كان يستمد قوته منه سبحانه . وإن الذي يدفعهم إلى ذلك هو وسوسة الشيطان الذي كان سلطانه عليهم كسلطان المعبود الذي يعبد ! ولذلك يقول تعالى : وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً « المريد » على وزن فعيل من الفعل ( مرد ) ، وهذا الفعل يطلق بعدة إطلاقات ، منها أن ( مرد ) ، معناها مرن على الشر ، ومن ذلك قوله تعالى وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ ( 101 ) [ التوبة ] ، ومنها أنه من يخرج على الطاعة ، ومن ذلك ( مارد ، ومتمرد ) ، ويطلق على من ظهر شره ، وتجرد من الخير ، ومن هذا ( شجرة مرداء ) إذا تساقط ورقها وظهرت عيدانها . وإن الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس ويدفعها إلى الشر ، فيه كل هذه الأوصاف ، فهو قد تعود الشر ، وهو قد عتا ، وهو قد خرج على الطاعة لله تعالى ، وهو قد تجرد من كل خير ، فيكون المعنى على هذا : إنهم يدعون ، أي يعبدون ، في الواقع شيطانا قد عتا ، وتجرد من الخير ، وتعود الشر ، فلا يكون منه إلا شر ، وإذا كان هؤلاء يلجئون إليه في دعائهم ، وكأنهم يعبدونه ، إذ يعبدون الأوثان التي زينها لهم ، فهم في أبعد الضلال ، ويسلكون طرقا من الشر متعددة ! وقد ذكر سبحانه ما يفعله الشيطان بعقول هؤلاء ، فقال تعالى : لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي إن الله سبحانه وتعالى طرده من رحمته ، وأخرجه من جنته ، كما عتا وتمرد وخرج عن طاعته ، فلم يسجد لآدم ، وقد أمره الله تعالى بالسجود له ، فلما طرده الله من ظلال جناته بسبب عصيانه بالنسبة لآدم ، وجعل عمله في هذا الوجود مصادمة الخير ، وجذب