محمد أبو زهرة
1858
زهرة التفاسير
ومن يفعل ذلك فإنه يكون قد خرج من ولاية المؤمنين ونصرتهم إلى ولاية من يتولونه ونصرته ، أي أنهم يكونون قد انضموا إلى أعداء الله تعالى ! . وقد قال الإمام الطبري في تفسير هذا النص : « ومن يباين الرسول من بعد ما تبين له أنه رسول الله ، وأن ما جاء به من عند الله يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، ويتبع طريقا غير طريق أهل التصديق ، ويسلك منهاجا غير منهاجهم ، وذلك هو الكفر بالله ؛ لأن الكفر بالله ورسوله غير سبيل المؤمنين وغير منهاجه . نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى : يجعل ناصره ما استنصره ، واستعان به » ، ونرى من هذا أنه يجعل الشاقين كافرين ، وذلك حق ، ولكننا نخصهم بالمنافقين من الكفار ؛ لأنهم الذين كانوا مع إظهارهم الإسلام يكونون في شق ، والمؤمنون والرسول معهم في جانب الحق ، وقد ذكر سبحانه العقوبة المترتبة على ذلك فقال : وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً أصل الصلى إيقاد النار ، وصلى بالنار بلى بها ، وصلى النار دخل فيها ، وأصلاه فيها أدخله فيها ، فمعنى قوله تعالى : وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ أدخلناه جهنم يشوى فيها كما تشوى الشاة ، وأنها باقية ، وهو يخلد فيها لا يخرج منها يوم القيامة أبدا . كذا قال تعالى : وَساءَتْ مَصِيراً أي أنها مصيره الدائم الباقي ولا مصير له سواه ؛ لأنه كافر معاند للحق بعد أن تبينت له كل الأدلة المثبتة ، وما أشد ذلك المصير سوءا وقبحا ، وهو جزاء لما كانوا يعملون . وقبل أن نختم الكلام في ذلك النص نقول : إن بعض علماء أصول الفقه قالوا إن هذه الآية دليل على أن الإجماع حجة وينسبون ذلك الاستدلال إلى الشافعي ، ولم نجد فيما كتبه الإمام الجليل ما يدل على أنه استشهد بها في بيان حجية الإجماع ، ولا نجد روح الآية ومعناها يدل على ذلك لأنها كانت في قوم منافقين كافرين ، شاقوا الرسول والمؤمنين . وقد رد الغزالي في كتاب « المستصفى » القول بأنها دليل على حجية الإجماع ، وكان كلامه حقا ، والله سبحانه وتعالى أعلم . اللهم لا تجعل ولايتنا لغيرك واجعل ولايتنا لك ولرسولك وللمؤمنين .