محمد أبو زهرة
1859
زهرة التفاسير
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 116 إلى 118 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 116 ) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً ( 117 ) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 118 ) كانت الآية السابقة على هذه النصوص مبينة مصير أولئك الذين يكونون في شق ، والنبي وأصحابه في شق آخر ، يوالون أعداء المسلمين ، ويناصرونهم ، ويتخذون النصرة منهم ، لا يرجون خيرا إلا منهم ، ولا يقدمون الولاء لغيرهم ، وفي هذا النص الكريم يفتح الله تعالى باب التوبة والغفران لهم ، حتى لا يسرفوا على أنفسهم ، ويقنطوا من رحمة الله تعالى ، وقد نهى سبحانه وتعالى عن ذلك فقال : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) [ الزمر ] . وفي نص الآية التي نتصدى للكلام في معناها ، يبين سبحانه أن كل ذنب قابل للغفران عند التوبة إلا أن يكون مشركا مصرا على الشرك : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ أي أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر الشرك به ، والمراد بالشرك أن يعبد مع الله تعالى غيره ، فالشرك في ذاته غير قابل للغفران ؛ لأنه إلغاء لمعنى الوحدانية التي هي سمة الإسلام ، وروح العبادة ومعناها . وإنه يدخل في الإشراك بالله إنكار رسالة الرسل ، بعد قيام الأدلة القطعية ، لأن ذلك تحكيم للهوى ، وإبطال للغاية من الوحدانية ؛ إذ هي طريق العبادة الصحيحة ، كما قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات ] .