محمد أبو زهرة

1840

زهرة التفاسير

المجالس ، والمعنى على هذا : ولا تكن أيها الرسول الأمين مخاصما لأجل الخائنين ، بأن تجعل فكرك ينحاز إليهم قبل سماع البينات الهادية المرشدة إلى الحق . وسمى هؤلاء خائنون ؛ لأنهم في علم الله كانوا كذلك ، وهو يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخيانتهم ، والله تعالى خير شاهد . وهذا إرشاد لكل قاض أن ينظر إلى المتخاصمين نظرا غير متحيز ، لكي يستمع إلى البينات منصفا مقدرا ، ويجعل الأدلة توجهه إلى الحق ، ولا يوجهها . وإن على كل قاض أن يستغفر الله دائما في أقضيته ؛ لأنه لا يدرى : لعله أصاب الباطل ! والعصمة لله تعالى وحده ، ولأنبيائه ، ولذا قال سبحانه : وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً الأمر في ظاهره للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو في عمومه لكل أمته ، ولكل قاض يفصل بين الناس . وطلب الاستغفار دائم يوجهه الله تعالى إلى النبي ، وإلى كل مؤمن تقى ، لأن الاستغفار إنابة ، وعبادة ، وهي مطلوبة . وإذا كانت القصة قد ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم تبادر إلى ذهنه براءة خائن ، فإن هذا ليس بذنب ، ولكنه يوجب الاستغفار من الرسول ، فإن علو مقامه يجعل مثل هذه التي لا تعتبر ذنبا من الناس ، موجبة للاستغفار ، على حد قول العلماء : ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) . وفوق ذلك فإن طلب الاستغفار ، مع ما فيه من القنوت والطاعة ، حث لكل قاض يفصل بين الناس على الاستغفار في كل قضية ، وقد بين سبحانه أن هذا الاستغفار الضارع يقبله الله تعالى ؛ لأنه سبحانه قد ثبت واستقر له أن المغفرة بأقصى درجاتها ، والرحمة بأوسع معانيها ، صفتان له سبحانه ، وهذا معنى قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً . وقد أكد سبحانه اتصافه تعالى بهاتين الصفتين بأربعة مؤكدات : أولها - ( إن ) التي تفيد التوكيد ، وثانيها - ( كان ) التي تفيد الاستمرار ، وثالثها - صيغة المبالغة في غفور ورحيم ، ورابعها - الجملة الاسمية . اللهم لا تجعلنا في جانب الخائنين والعصاة ، واجعلنا مع الأبرار الأتقياء .