محمد أبو زهرة

1839

زهرة التفاسير

وسواء أصح ذلك الخبر سببا للنزول أم لم يصح ، فإن الآية لها صفة العموم ، وتفسر بعمومها ، لا بخصوص سببها ، ومعنى النص الكريم على ذلك : إن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن الكريم المكتوب المسجل ليحكم النبي صلى الله عليه وسلم بما توجبه نصوصه ، وبما يريه الله تعالى وينير قلبه لإدراك الحق . وهنا ثلاث إشارات بيانية : الأولى - أن الله تعالى عبر عن القرآن ب « الْكِتابَ » للإشارة إلى أنه مكتوب مسجل مدون ، باق إلى يوم القيامة . الثانية - كلمة « بِالْحَقِّ » ، والباء تدل على الملابسة والاتصال والمعية ، فهو مع الحق ، وبالحق ، وناطق بالحق ، ومشتمل عليه ، ولا شئ في هذا الكتاب إلا ما هو حق ، ولا يخالفه إلا ما هو باطل . الثالثة - قوله تعالى بِما أَراكَ اللَّهُ ، فإنها مقابلة لقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ ، وهذه المقابلة تقتضى أن تكون كلمة بِما أَراكَ اللَّهُ لها معنى خاص ، وهو النظر بنور الله تعالى في الأقضية التي يقضى فيها ، فالقاضي لكي يكون قضاؤه عدلا لا بد من أمرين : أحدهما - قانون عادل هو الحق من كل نواحيه ، وهو هنا الكتاب الكريم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - والثاني - أن يكون فحصه للقضية ببصيرة نيرة نافذة ، وقلب مشرق مدرك ، وهذا يكون بنور الله ، وهو للنبي ما عبر عنه بقوله تعالى : بِما أَراكَ اللَّهُ . ولكن نور الحق لا يكون إلا إذا نظر القاضي فيما يعرض عليه نظرة غير متحيزة ، ولا منحرفة ، وهذا هو ما نهى الله عنه نبيه ، والنهى لعموم أمته ، ولذا قال تعالى : وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً تبادر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في القصة السابقة أن من فيه صلاح وإسلام يكون على الحق ، فانحاز فكره ككل البشر ، فالله سبحانه وتعالى نبهه ، تعليما لأمته ، ولكل قاض من بعده ، إلى أنه لا يجوز أن ينحاز فكره إلى أحد الخصمين ، فعسى أن يكون هو الخائن ، وغيره هو البريء ، ولا بد أن يسمع البينات ، ويجعلها هي الحاكمة . والخصيم بمعنى المخاصم ، كالجليس بمعنى