محمد أبو زهرة
1838
زهرة التفاسير
جلت قدرته ، وإذا كان الله سبحانه وتعالى عليما حكيما ، فإنه يعلم جهاد المؤمنين للحق ، واعتداد المشركين بالباطل ، وبمقتضى حكمته ، لا يستوى الصالح والمفسد ، والمحق والمبطل ، ولا يستوى عنده الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، فالمؤمنون إذ يرجون ما عنده ، ويطلبون رضاه ، يجدون العليم الحكيم : وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ . . . ( 13 ) [ آل عمران ] ، كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي . . . ( 21 ) [ المجادلة ] . وإن العليم الحكيم هو الذي أنزل القرآن مشتملا على شريعته ، ليكون القسطاس المستقيم ، والحكم العدل ، ولذا قال سبحانه : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ يذكر العلماء في سبب نزول هذه الآية ما رواه الترمذي والحاكم وغيرهما عن قتادة بن النعمان ، قال : كان أهل بيت منا ، يقال لهم بنو أبيرق ، ثلاثة : بشر وبشير ومبشر ، وكان بشير منافقا ، وقد كان طعام وسلاح لعمى رفاعة ، كان قد ابتاعه فسرق منه ، فقال : يا ابن أخي ، قد عدى علينا في ليلتنا هذه ، فنقبت مشربتنا ( أي غرفتنا ) وذهب بطعامنا وسلاحنا ، فتحسسنا وسألنا ، فقيل لنا : إن بنى أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ، ولا نراهم إلا على بعض طعامكم . . ويسترسل قتادة في القصة ، فيذكر أن بنى أبيرق اتهموا رجلا له صلاح وإسلام ، وهو لبيد بن سهل ، فغضب وهدد بالسيف . . . فذهب قتادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : « سأنظر في ذلك » ، فلما سمع بنو أبيرق ، أتوا رجلا يقال له أسيد بن عروة ، فكلموه في ذلك ، فاجتمع بأناس ، فقالوا : يا رسول الله ، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا ، أهل إسلام وصلاح ، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت ، ويقول قتادة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : « عمدت إلى أهل بيت إسلام وصلاح ، ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة » ! . فرجعت فأخبرت عمى ، فلم يلبث أن نزل القرآن : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ، وقد كشف أمر بشير فلحق بالمشركين مرتدا ! « 1 » .
--> ( 1 ) رواه الترمذي : تفسير القرآن - ومن سورة النساء ( 3036 ) عن قتادة بن النعمان .