محمد أبو زهرة

1837

زهرة التفاسير

إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً مرمى النص الكريم أنه لا يصح أن تكون الجراح ، وويلات الحرب وآلامها مثبطة لكم عن الاستمرار في طلب المعتدين وملاقاتهم ؛ لأنه إن أصابكم من الجراح والآلام ما أصابهم ، فهم يجرحون ويألمون من غير رجاء في الآخرة ، ولم يوعدوا بالنصر المؤزر الباقي في الدنيا ، ولا بالنعيم في الآخرة ، فهم يألمون في غير أمل مرجو ، وأنتم إن ألمتم ، فلرجاء النصر ولرجاء النعيم ، فأنتم أحق بالصبر ، وأولى بأن تطلبوهم ، ولا تهنوا وتضعفوا في طلبهم . ويسوق الزمخشري النص الكريم مساقا فيه شبه لوم للمؤمنين ، فيقول في تفسير قوله تعالى : إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ : ( أي ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصا بكم ، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم ، يصيبهم كما يصيبكم ، ثم إنهم يصبرون عليه ، ويتشجعون ، فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم ؛ لأنكم ترجون من الله ما لا يرجون من إظهار دينكم على سائر الأديان ، ومن الثواب العظيم في الآخرة ) . ونحن نرى أن النص فيه تحريض على الصبر ، ولا لوم فيه ولا شبه لوم ، فما كان عند المشركين صبر كصبر المؤمنين ، حتى يوازنوا بهم ويحرضوا على مثل ما هم عليه . وفي جعل رجاء المؤمنين من الله ، في قوله تعالى : وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ، إشعار للمؤمنين بأنهم في جانب الله تعالى ، وأن رجاءهم عنده ، وهو يجيب رجاء المؤمن ودعاءه ، ويؤيده بنصره : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 ) [ آل عمران ] ، وليس للمشركين من يرجون إلا أن يكون أصناما لا تضر ولا تنفع ! . وإذا كان الرجاء من الله ، فهو رجاء من العليم بكل شئ ، الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها ، وينصر من ينصره بحكمته ، ولذا قال سبحانه : وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً أي ثبت وتقرر أن العلم والحكمة من أسماء الله تعالى الحسنى ،