محمد أبو زهرة
1826
زهرة التفاسير
ومهما يكن فقد ثبت النص القرآني في القصر في حال خوف الانقضاض من العدو ، وبالسنة القصر في عموم أحوال السفر . ولما كان ذلك هو موضع النص ، ذيل النص الكريم بما يدل على وجوب الحذر دائما من الأعداء الكافرين ، فقال : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا هذا النص لتأكيد الحذر من الكفار دائما ؛ لأن عداوتهم مستمكنة في قلوبهم ، وقد أكد سبحانه وتعالى هذه العداوة بمؤكدات أربعة : أولها - « إن » الدالة على التوكيد ، مع وصف الذين كفروا بالكفر ، وجعله شأنا لهم ، ومن كان جمود الحقائق شأنه لا يؤمن على شئ . وثانيها - التعبير ب « كان » الدالة على الدوام والاستمرار . وثالثها - وصف الكافرين بالعداوة ؛ لأن العدو يطلب لعدوه دائما الشر ، ويترقب مواضع غفلته لينقض عليه ، فلا تنتظر منه رحمة أو حلم ، أو نسيان للحقد . ورابعها - وصف العداوة بأنها ظاهرة بينة لا خفاء فيها ، فالمغرور من يأمن عواقبه . وقد تكلم العلماء في السفر المسوغ لقصر الصلاة : ما مقداره ؟ وما حكم القصر ؟ أهو واجب أم سنة ؟ ونوع السفر الذي يجوز فيه القصر ؟ . أما بالنسبة لمسافة السفر التي يجوز فيها القصر ، فالفقهاء اختلفوا فيها على أقوال ثلاثة : أولها - قول أهل الظاهر أن القصر يكون في كل ما يسمى سفرا ، سواء أكان قصيرا أم كان طويلا ؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مقدار محدود يمنع القصر فيما عداه ، فبقيت كلمة السفر على إطلاقها ، من غير تقييد بمدة معلومة ولا مسافة محدودة . وثانيها - قول الحنفية ، أن السفر الذي يسوغ القصر مسيرة ثلاثة أيام بلياليها ، بالسير المعتاد ، وهو سير الإبل ، مع أخذ الراحة الواجبة في السفر ، فلا يسير المدة كلها ، بل يسير في الزمن الذي يعتاد فيه السفر ؛ وذلك لأن عرف العرب أن الرجل كان لا يعتبر مسافرا إلا إذا تجاوز موطنه بسير نحو ثلاثة أيام .