محمد أبو زهرة
1811
زهرة التفاسير
مكان لا يغلق باب دونه ، والله يهدى من يشاء بإذنه . وفوق ذلك ، فإنه كان يتصور منكم من قبل في الوقت الذي كنتم فيه كافرين أن تعتدوا على المؤمنين ، وتضطركم حال القتال ، إلى أن تستسلموا طالبين الرحمة ، فارحموا من وقع في مثل هذه الحال . وقد كرر الأمر بالتبين ؛ لأنه في الأول كان عاما يستدعى التثبت قبل القتال ، وفي أثنائه وبعده ، فلا يهاجمون إلا من يتأكدون منه الاعتداء ، والأمر هنا يتضمن تبين حالهم في الماضي ، وحال الكافرين في الحاضر ، كما يتضمن التثبت عند الاستسلام ، وعند إعلان الإسلام . فالتبين لمعرفة الحال قبل القتال وبعده وفي أثنائه يتضمن الموازنة ، ويتضمن التبين عند القتال وبعده فقط فبينهما أمر مشترك ، وكلاهما ينفرد بتبين خاص . وفوق ذلك ، فإن التبين هنا اقترن بتذكير وإنذار إذا لم يكن ، ولذا قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً أي أن الله تعالى متصف بالعلم الدقيق ، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، فالخبرة هي العلم الدقيق بالأشياء . وقد اقترن ذلك الوصف بأعمال المؤمنين المخاطبين بذلك الخطاب لبيان مراقبة الله تعالى الدائمة لأعمالهم ، دقيقها وجليلها ، ولأحوال نفوسهم ما ظهر منها وما بطن ، وأنه لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض . وقدم سبحانه وتعالى لفظ « بِما تَعْمَلُونَ » على الوصف العام ، ليراقبوا أنفسهم ، فقد علموا أن الله تعالى يراقبهم ، وأنهم إذا لم يراقبوه في تصرفاتهم مع خلقه فهو تعالى يراقبهم . اللهم إنا نضرع إليك ألا تمكننا من ظلم أحد من عبادك ، إنك على كل شئ قدير .