محمد أبو زهرة
1797
زهرة التفاسير
وقاية لهم ، إن اشتدت الشديدة على أقوامهم ! وإنه لا يحمى دم هؤلاء في القتال إلا إذا كانوا قد ألقوا السلام ، واعتزلوا القتال مع أقوامهم ، أو كانوا يصلون إلى قوم قد ارتبط المسلمون معهم بميثاق عدم اعتداء . وإن التفرقة بين هذه العناصر قد يقع معها الخطأ ، ولذا ذكر القرآن الكريم الخطأ في هذه الأحوال الثلاث : وهي قتل المؤمن الخطأ لمؤمن قائم مع المؤمنين ، وقتل الخطأ لمؤمن من قوم أعداء ، وقتل الخطأ من قوم لهم ميثاق ، حتى إذا وقع الخطأ كان الحكم بينا ، ولذا قال تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً « ما كان » النفي هنا ليس لنفى الوقوع ، أي نفى أن يقع قتل خطأ ، وإلا ما وقع ذلك أبدا ، لكنه يقع ، بل النفي بمعنى عدم الجواز والنهى عنه ، مثل قوله تعالى : وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ( 53 ) [ الأحزاب ] . ومثل قوله تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً ( 36 ) [ الأحزاب ] ، والمعنى على ذلك ما ساغ ولا جاز ولا أبيح أن يقتل مؤمن مؤمنا قط ، فإن ذلك أمر محرم تحريما قاطعا ، لكن إن كان خطأ ، فإن ذلك قد يكون معذرة يعتذر بها ؛ لأن الله تعالى رفع عن أمة محمد إثم الخطأ ، إذ قال عليه الصلاة والسلام : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » « 1 » ، وليس على المؤمن إثم القتل إن قتل خطأ ، وإن كان يجب الاحتراز من الخطأ . وإن التقصير لا يخلو من مؤاخذة ، ولذلك قال الزيلعي من فقهاء الحنفية : « وبهذا النوع من القتل ( أي الخطأ ) لا يأثم إثم القتل ، وإنما يأثم إثم ترك التحرز ، والمبالغة في التثبت ؛ لأن الأفعال المباحة لا تجوز مباشرتها إلا بشرط ألا تؤذى أحدا ، فإذا آذى أحدا فقد تحقق ترك التحرز » . والقتل الخطأ يتصور في ثلاث صور : أولاها - أن يرمى هدفا ، فيصيب إنسانا معصوم الدم ، بأن تنحرف الرمية .
--> ( 1 ) رواه بهذا اللفظ الطبراني عن ثوبان رضي الله عنه ، كما في الفتح الكبير ج 2 ، ص 121 ، برقم ( 6619 ) ، والجامع للسيوطي ج 4 ، ص 401 برقم ( 1256 ) .