محمد أبو زهرة
1790
زهرة التفاسير
ومن هم أولئك المنافقون الذين أركسهم الله تعالى ذلك الإركاس ؟ قيل : هم منافقو المدينة ، أتباع عبد الله بن أبي ، ومن معه . وقيل : قوم أقاموا بالمدينة مؤمنين ، ثم خرجوا منها منحرفين في اعتقادهم ، وأظهروا أن جوها لم يطب لهم ! وقيل ، كما روى عن ابن عباس : إنهم قوم آمنوا بمكة ، وقالوا إن ظهر محمد صلى الله عليه وسلم فقد عرفنا ، وإن ظهر قومنا ، فهو أحب إلينا . وعندي أن المنافقين هنا تشمل من اتصفوا بذلك ، وتخص الأعراب ومن على شاكلتهم من الذين كانوا يسلمون في قبائلهم ، ويعلنون ذلك من غير أن يهاجروا إلى المدينة مناصرين للمؤمنين ، ولم يكن من أعمالهم ما يدل على انتمائهم للدولة الإسلامية ، وإعلان ولايتها عليهم . والحقيقة أن هؤلاء كانوا يتذرعون بكلمة الإسلام ، لكيلا يحكم السيف الإسلامي فيهم . ولذلك ذكرت الآية أن الأمارة القاطعة الدالة على إيمانهم هي أن يهاجروا . أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أيها المؤمنون المختلفون أتريدون أن تحملوا على الإيمان من أضله الله ، أي من كتب عليه الضلالة ، بسبب أنه سار في طريقها ، وانحرف عن جادة الحق وسبيل المؤمنين ، فإن من يسير في طريق لا بد أن ينتهى إلى نهايته ، ما دام لم يرجع ولم يعد . ومن يضلل الله ، أي من يكتب عليه في لوحه المحفوظ ، وقدره المحتوم ، أن يكون ضالا ، فلن يجد أحد سبيلا إلى هدايته ؛ لأن قدر الله تعالى لا يتغير ، وقضاءه لا يتبدل ، وحكمه لا يتخلف ، فمن حاول هداية المنافقين الذين حكم عليهم بالضلال ، فكأنما يحارب قدر الله سبحانه وتعالى . وإن المؤمنين يحاولون هداية المنافقين ، أو الحكم لهم بالإيمان ، بينما المنافقون يودون للمؤمنين عكس ذلك . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً وإن هؤلاء الذين تتمنون هدايتهم أو تحكمون بها عليهم ، أو ترجونها لهم ، يتمنون أن تكفروا كما كفروا ، بحيث تكونون أنتم وهم على سواء ؛ ومن تكون هذه حاله لا يعد مسلما ، ولا