محمد أبو زهرة

1784

زهرة التفاسير

وقد كان ، فكف الله بأس الذين كفروا ، وهم قريش ، الذين تواعدوا مع النبي على اللقاء ، فقد غير أبو سفيان رأيه ، وخشي عاقبة المعركة ، فقال لقومه : إن هذا عام مجدب ، لن تقدروا فيه على لقاء محمد وأصحابه ، فانتظروا عاما مخصبا ، كما تعودتم ، لتلاقوا فيه محمدا ومن معه ، ووقتها سيكون بأسكم شديدا ، وتنكيلكم بمحمد وأصحابه شديدا ، ألم يعلموا أن العزة لله جميعا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً من قريش وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا من كل أعدائكم . و إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ( 12 ) [ البروج ] فهو أعظم سلطانا ، وأقدر على ما يريد . مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً أصل الشفاعة والشفعة ونحوها ، من الشفع ، وهو الزوج في العدد ، ومنه الشفيع لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا ، فالشفاعة إذن هي ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك ، للوصول إلى مصلحة ترغبانها ، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع ، وإيصال المنفعة إلى المشفوع له ، والشفاعة الحسنة هي ما تكون في البر والطاعة ، والشفاعة السيئة هي ما تكون في المعاصي ، فمن شفع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر ، ومن سعى في غير طاعة ، فقد أثم واستوجب العقاب . يقول الزمخشري في « حقائق التنزيل » : الشفاعة الحسنة هي التي روعى بها حق مسلم ، ودفع بها عنه شر ، وابتغى بها وجه الله ، ولم تؤخذ عليها رشوة ، وكانت في أمر جائز ، وليست في حد من حدود الله ولا في حق من الحقوق ، ولكل منها نصيب من الأجر ، بقدر ما فيه من طاعة أو معصية . وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الشفاعة لقضاء الحوائج ، والتعاون على البر والتقوى ، إذ يقول عليه الصلاة والسلام : « اشفعوا فلتؤجروا ، وليقض الله على لسان نبيه ما أحب » « 1 » .

--> ( 1 ) متفق عليه ؛ رواه مسلم : البر والصلة والآداب - استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام ( 2627 ) ، والبخاري بلفظ مقارب : الزكاة - التحريض على الصدقة والشفاعة فيها ( 1432 ) عن أبي موسى الأشعري عن أبيه ، وأبوه هو عبد الله بن قيس بن سلا بن حضار . رضي الله عنهما .