محمد أبو زهرة
1776
زهرة التفاسير
يتخذ الأسباب أو يخالف المنهاج السليم الموصل إلى الثمرة ، أو لا يتوكل على الله تعالى ولا يفوض إليه ، فإنه سيناله ما يسوؤه ، وبسبب منه ؛ فالأول لبيان القدر ، والثاني لبيان العمل . وهذا هو التخريج الأول ، والتخريج الثاني أن يكون : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ، من حكاية قول المنافقين والضعفاء في إيمانهم ؛ لأن آخر الآية السابقة : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ( 78 ) [ النساء ] ، ثم ذكر سبحانه حديثهم الذي لم يفقهوه ، وهو قولهم : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ إلخ ، ويكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فهم يقولون له : ليس لك من فضل في النصر الذي تناله ، فإن ما أصابك من ظفر فمن الله ، وما أصابك من هزيمة فمن نفسك ! وقد ذكر هذا التخريج القرطبي ، وقال : « والمعنى : فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ، حتى يقولوا : ما أصابك الله من حسنة فمن الله ! » . ويكون ذلك الكلام على هذا التخريج ترديدا لقولهم : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ، ويكون في الأول الحديث عن أنفسهم ، وفي الثاني الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي الأول معنى التطير والتشاؤم ، وفي الثاني تجريد النبي صلى الله عليه وسلم من كل فضل ! . وهم في الأمرين خارجون عن الطاعة متمردون ، وقد رد الله تعالى كلامهم بقوله سبحانه : وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً وإنا أيها النبي قد شرفناك برسالتنا ، فأرسلناك رسولا فقط ، لا تتكفل بالأرزاق ، ولا تهب النصر ، ولا تمسك مقاليد الكون ، ولست تملك من أمر نفسك شيئا ، إنما أنت مكلف بالتبليغ فقط ، فإن بلغت فما عليك شئ ، وإن اتخذت الأسباب في الحروب للظفر ، وتوكلت على الله ، فإن الله مانحك النصر ، ومعطيك الغلب ، وإن خالف من معك ما سننت لهم من منهاج للظفر ، فإن الهزيمة واقعة بهم ، ولست مسؤولا عما يصيبهم