محمد أبو زهرة

1777

زهرة التفاسير

القدر به من أمر يسرهم ، ولا أمر يسوؤهم . وفي قوله تعالى : وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا يذكر سبحانه كلمة رَسُولًا تأكيدا لوصف النبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة ، ولبيان أن عمل الرسول ليس هو التحكم في القدر ، إنما عمله التبليغ فقط ، فإذا بلغ فما عليه من شئ . وإذا كانوا قد اتهموك وقالوا ما قالوا ، فكفاك شهادة الله لك بأنك بلغت وجاهدت ، وأن ما يرمونك به باطل ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات . وإن تصرف أولئك المنافقين والضعفاء فيه إخلال بواجب الطاعة ، وإن الرسالة التي حمل عبئها محمد صلى الله عليه وسلم توجب عليهم طاعته من غير تمرد ، بل مع الإذعان والخضوع لما يطلبه باسم الله ، وأن يعلموا أن طاعته فيها طاعة الله ، فإن تمردوا عليه أو تشاءموا به ، فليعلموا أن ذلك تمرد على الله ، ولذا قال سبحانه : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ إن هؤلاء كانوا ينتقصون فضل النبي بنسبة الظفر إلى الله والهزيمة إلى النبي ، وقد بين الله تعالى أنه رسوله ، فإن تنقصتموه فإنما تتنقصون من أرسله ، وإن تمردتم عليه فإنما تتمردون على من أرسله : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ . فيما يأمر به ، وينهى عنه ، وفي دعوته إلى الجهاد ، فإنما يطيع الله تعالى ؛ لأنه إنما يتكلم عن الله تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) [ النجم ] ولقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من أحبني فقد أحب الله ، ومن أطاعني فقد أطاع الله » ، فقال الذين يشككون في الإسلام من المنافقين : ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل . لقد قارف الشرك ، وهو ينهى أن يعبد غير الله ! ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى ، فنزلت هذه الآية : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ « 1 » وعندي أن الآية لا تحتاج إلى سبب نزول في بيانها لأنها واضحة بينة ، يشهد لمعناها سابقها ولا حقها ، وإن الحديث في ذاته صحيح المعنى ، وروى مسلم مثله عن أبي هريرة ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : « من

--> ( 1 ) ذكره جماعة من مفسري السلف منهم القرطبي والرازي وأبو السعود والآلوسي والبيضاوي والسمرقندي عن قتادة ( من التابعين ) .