محمد أبو زهرة

1215

زهرة التفاسير

فالسجود الخضوع المطلق للّه تعالى ؛ لأن أظهر مظاهر الخضوع أن يتطامن الشخص فيضع جبهته على الأرض خضوعا لله تعالى ، وشعورا بعظمته وجلالته ، وعلوه سبحانه ، وانخفاض العبد أمامه . وقوله تعالى : وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ فسرها الزمخشري بأن تصلى مع المصلين ، فقال : « وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ بمعنى لتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة ، أو انظمى نفسك في جملة المصلين ، وكونى معهم في عدادهم ، ولا تكوني في عداد غيرهم » ، فالأمر بالركوع مع الراكعين كناية عن صلاتها مع الجماعة ، وهذا فيه فائدة ، وهي إثبات أن الصلاة مع الجماعة من تمام النسك والعبادة . فمريم البتول كانت ملازمة للمحراب منذ نشأتها في كفالة زكريا عليه السلام ، وهي بهذا تشبه أن تكون بعزلة عن عوجاء الحياة وما فيها ، وما عند الناس حتى في عباداتهم ، فبينت لها الملائكة عن اللّه سبحانه أن تصلى جماعة مع الناس ، فإن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد . وعلى ذلك يكون الأمر بالسجود من قبيل الأمر العام بالانصراف للعبادة والطاعة ؛ لأن فيه أظهر مظاهر إسلام الوجه للّه ، ويكون الأمر بالصلاة ثابتا بقوله وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ . ويصح أن نقول إن الأمر بالسجود هو أمر بالصلاة مطلقا ، إذ إنه أظهر مظاهر الصلاة ، وأقواها تأثيرا في النفس ، وكان الأمر على هذا النحو بأن تديم الصلاة منفردة وفي خلواتها ؛ وقوله تعالى : وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أمر آخر بأن تصلى مع الجماعة وألا تنقطع عنهم لفضل الصلاة في الجماعة ، وكأن في النص تعبيرا عن طلب الصلاة بتعبيرين ؛ أولهما : طلبها بعبارة « اسجدى » والثانية : طلبها مع الجماعة ، بعبارة « اركعى » ، والبلاغة تسوغ أن تعبر عن المعنى الواحد بعبارتين مختلفتين في صيغتيهما ومادتهما في مقام واحد ، وإن كان الأمر الأول مطلقا ، وكان الثاني مقيدا . هذه قصة مريم في ولادتها ، وتهيئتها للآية الكبرى الدالة على أن الخالق فاعل مختار ، قد قصها اللّه جل شأنه في القرآن الذي جاء به أمي لا يقرأ ولا