محمد أبو زهرة

1216

زهرة التفاسير

يكتب ، لم يتعلم ولم يجلس إلى معلم ، ولم يختلط باليهود والنصارى ، وفوق ذلك هذه القصة لم تكتب في التوراة قط ، ولم يتعرض لها الإنجيل ، وجاء بها القرآن الكريم . وهي صادقة كل الصدق فمن أين جاء علم هذا إلى ذلك الأمى ؟ إنه من عند اللّه . أشار المولى إلى هذا المعنى بقوله : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ الإشارة إلى القصص الحكيم الذي شمل نذر أم مريم ، وولادتها ، وكفالة زكريا لها ، ودعاء زكريا وإجابة اللّه دعاءه ، ولزوم مريم للعبادة ، وخطاب الملائكة ؛ فبين اللّه سبحانه وتعالى أن هذا القصص من أنباء الغيب ، أي من الأخبار العظيمة الشأن التي اختص بها علم اللّه ، وهي مغيبة عن الناس لم يدونها تاريخ ، ولم يذكرها كتاب ، فهي مغيبة عن علم الناس لا يعلمها أحد إلا من اللّه تعالى ، وهي عظيمة الشأن في مجرى التاريخ الديني ، ومجرى الفكر الإنسانى ، ومجرى التاريخ بشكل عام ؛ وذلك لأنها تتعلق بآية من آيات اللّه الكبرى في هذا الوجود ، وهي إيجاد إنسان كامل مستو من غير أب ، وحمل امرأة من غير تلقيح ؛ فإن هذا يفتق ذهن الإنسان المفكر لأن يدرك أن اللّه يخلق الأشياء بإرادته غير مقيد بسنن كونية ، ولا بنظم في الخلق والإنشاء ؛ لأنه خالق كل السنن وكل النظم ؛ وبذلك يرد أقوال الفلاسفة الذين زعموا أن العالم نشأ عن العقل الأول نشوء المعلول عن العلة من غير إرادة مبدعة مسيرة . والأنباء جمع نبأ ، والنبأ هو الخبر العظيم الشأن ، فليس كل خبر يسمى نبأ ، والغيب هو الأمر المغيب المستور الذي لا يعلم إلا من قبل اللّه تعالى . وقوله : نُوحِيهِ إِلَيْكَ إشارة إلى موضع الصدق وهو أنه بوحي من اللّه تعالى ؛ وهو كالنتيجة لكون الموضوع مغيبا ، لم يذكر في واقعة تاريخية ولا في كتاب ديني من قبل ، لأنه إذا كان مغيبا عن الناس جميعا فعلمه لا يكون إلا من اللّه تعالى . وفي قوله : نُوحِيهِ إِلَيْكَ مع كونه من قبل كان مغيبا إشارة إلى معنى الاختصاص ، وفي الاختصاص بالتعريف كل معاني التكريم الإلهى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وإذا كانت حال مريم وخلوصها لعبادة اللّه تعالى مجهولة للناس قبل بيان القرآن ، فإن القرآن صاحب الفضل في بيان براءتها من الدنس ، ومقامها في عبادة