محمد أبو زهرة
1214
زهرة التفاسير
به مختارة دون نساء العالمين ؛ لأن الاصطفاء الأول ومعه الطهر والتقى لا تختص به مريم ، فكم من عابدات قانتات قوامات بالليل صوامات بالنهار ؛ أما الاصطفاء الثاني وهو أن تلد من غير أب فإن ذلك قد اختصت به لم تشركها فيه امرأة في هذا الوجود ؛ ولذا قال فيه : وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ . وإن هذا التعبير يدل فوق دلالته على اختصاصها بهذا الاصطفاء ، يدل على أن لها فضلا على نساء العالمين ، إذ إن التعبير عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ يتضمن معنى الأفضلية عليهن ، وإن لها ذلك الفضل ، ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري : « كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران ، وآسية امرأة فرعون ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام » « 1 » وروى من طرق صحيحة : « خير نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، وآسية امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد » « 2 » . يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ القنوت لزوم الطاعة والاستمرار عليها ، مع استشعار الخضوع التام المطلق ، والاستسلام للّه وإسلام الوجه للّه الكريم ، فمعنى نداء الملائكة دعوتها إلى أن تستمر على ما هي عليه من خضوع للّه وإسلام وجهها له سبحانه ، وتفويض أمورها له . وتكرار النداء لإشعارها بقربهم منها وهم رسل ربهم إليها ، وفي ذلك بيان قربها منه سبحانه وتعالى . وفي تكرار النداء إشعار بأن طلبهم الاستمرار على القنوت هو من قبيل شكر اللّه على هذه النعمة ؛ فهذا الاصطفاء يوجب الشكر بالاستمرار على القنوت ، وقوله تعالى : وَاسْجُدِي هذا الأمر هنا يفسر بملازمة الطاعة والعبادة ؛
--> ( 1 ) متفق عليه رواه البخاري : أحاديث الأنبياء - ( 3179 ) ، ومسلم : فضائل الصحابة - فضائل أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها ( 4459 ) عن أبي موسى الأشعري ، واللفظ لمسلم . ( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ج 6 ص 186 ، عن أنس رضي الله عنه ، ورواه الترمذي : المناقب - مناقب خديجة رضي الله عنها ( 3813 ) وقال أبو عيسى : هذا حديث صحيح .