محمد أبو زهرة
1211
زهرة التفاسير
والثانية : كلمتا بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ؛ فالعشى من حين تزول الشمس إلى أن تغيب ، والإبكار من طلوع الشمس إلى وقت الضحى . والثالثة : كلمتا ذكر وتسبيح ؛ فإن الذكر معناه أن يستحضر الإنسان عظمة ربه ، وينطق بها لسانه ، والتسبيح معناه التنزيه المطلق لله سبحانه وتعالى ، وقد كان طلب الذكر والتسبيح في هذا المقام مناسبا لتلك النعمة التي أسداها لعبده ونبيه زكريا عليه السلام ؛ فإن سيادة المادية في بني إسرائيل وطغيانها على الروح أنستهم ذكر اللّه ، وسيادة الفلسفة المنكرة للإرادة جعلتهم لا ينزهون اللّه تعالى ، فدعا ربه لأن يقوم بهذا الأمر الذي فيه استذكار كل معاني الألوهية وانصراف بالكلية للنواحى الروحية . وفي التسبيح إدراك لله وتنزيه له عن العلية ؛ ولذا اتخذ زكريا من هذا الخارق للعادة بإنجابه ولدا سبيلا لأن يدعوهم إلى التسبيح وهو التنزيه عن العلية والسببية وكل ما لا يليق بذات اللّه تعالى ، وأن يتركوا ما هم عليه من ماديات وفلسفة تنكر الإرادة لرب العالمين ، فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 42 إلى 44 ] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ( 42 ) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 ) بين اللّه سبحانه الأمر الخارق للسنن التي سنها في خروج الحىّ من الحي ، بالنسبة لولادة يحيى من عجوز عاقر ، وإن الذي خرق هذه السنن هو خالق السنن ، وإنما خرقها الذي خلقها ليعلم الناس أنه سبحانه خلقها بإرادته وحكمته ؛