محمد أبو زهرة

1212

زهرة التفاسير

فإنه سبحانه وتعالى فعال لما يريد . وبعد أن بين ذلك ، وهو العليم ، مهد سبحانه لخارق أعظم وأبين ، ليقرع حس الناس في عصر غلب فيه التفكير المادي على التفكير الروحي ؛ وذلك هو خلق عيسى بن مريم من غير أب ، كما خلق من قبل آدم من غير أب ولا أم ، وكان ذلك التمهيد ببيان الإرهاصات التي سبقت ولادة عيسى عليه السلام ، وهو اصطفاء مريم واختيارها لتكون محل تلك الوديعة التي يودعها اللّه رحمها من غير علاقة ذكر بأنثى ، وكان الاصطفاء بالطهارة والعفة والقنوت ، والركوع والخضوع لرب العالمين ، ثم باختيارها النهائي للوديعة الربانية ؛ ولذا قال تعالى : وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ « الواو » هنا عاطفة ، وهي تعطف هذا النص الكريم على قوله تعالى : إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً . . . ( 35 ) [ آل عمران ] فهذا عود إلى قصة مريم البتول التي ابتدأت بالنذر بها وهي حمل ، ثم ببيان حال أمها عند وضعها وبعد وضعها ، وما كان من رزق اللّه تعالى لها وكفالة نبي اللّه زكريا إياها ، مما جعلها تنشأ تنشئة التقوى والورع ، ولما شبت عن الطوق واكتملت في تكوينها وأنوثتها خاطبتها الملائكة بذلك الخطاب قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ وتفسر كلمة الملائكة هنا بعدد منهم ، لا بواحد ، كما استظهرنا مع ابن جرير في خطاب الملائكة لنبي اللّه تعالى زكريا عليه السلام ؛ ولكن يجيء هنا البحث : من أي نوع خطاب الملائكة لمريم البتول ؟ أكان بالمخاطبة كما يخاطب النبيون ، أم كان بالإلهام أو الرؤيا الصادقة في النوم ؟ لم تبين الآية هنا نوع الخطاب ؛ ولذا قال بعض العلماء : إن الخطاب كان بالإلهام ، وإلى هذا يومئ الزمخشري رضى اللّه عنه ، ولكنه صرح بقوله : « روى أنهم كلموها شفاها معجزة لزكريا ، أو إرهاصا لنبوة عيسى عليه السلام » . وبعض العلماء كما ترى قرر أن الخطاب كان مشافهة ولم يكن إلهاما ، ولا رؤيا صادقة في النوم ؛ وإنا نميل إلى ذلك الرأي ، ؛ لأنه ثبت بنص القرآن الصريح