محمد أبو زهرة

1125

زهرة التفاسير

فهذه الآية الكريمة إنذار للمشركين بأن الهزيمة ستلحقهم في الدنيا ، وأن العذاب سيستقبلهم في الآخرة . وقد أمر اللّه سبحانه نبيه بأن يواجههم بهذا الخطاب ، ولم يوجهه سبحانه وتعالى إليهم ؛ لأن أولئك المغترين المفتخرين كانوا يدلّون بقوتهم على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويعتزون بها في مخاطبته صلى اللّه عليه وسلم ، فكانوا يقولون له : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 35 ) [ سبأ ] . وكانوا يأخذون من عزتهم في الدنيا دليلا على عزتهم في الآخرة ، فكان حالهم كحال هذا العامل الذي حكى اللّه سبحانه عنه بقوله : وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ( 35 ) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ( 36 ) [ الكهف ] وهكذا الطبيعة الإنسانية إن استغنت طغت في حاضرها ، وغرها الغرور في قابلها : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) [ العلق ] . وإذا كانوا يجابهون النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك فإنه يكون من المناسب أن يتولى هو الرد ، وهو الذي جرّد من المال والولد ، ولا ناصر له إلا اللّه سبحانه وتعالى . وإن ذلك الاغترار كان من المشركين واليهود الذين كانوا يجاورون النبي صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، وقد جابهوا النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك عندما دعاهم إلى الإسلام بعد واقعة بدر التي انتصر فيها المسلمون ؛ فإنه يروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم جمعهم في سوق بنى قينقاع ، وقال لهم : « يا معشر اليهود ، احذروا مثل ما نزل بقريش ، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم ، فقد عرفتم أنى نبي مرسل » . فقالوا : لا يغرنك أنك لقيت أقواما أغمارا لا يعرفون القتال ، إنك واللّه لو قاتلتنا لعرفت أننا نحن الناس ، وأنك لم تلق مثلنا « 1 » . وإذا كان الاغترار من الفريقين فإنه يصح أن نقول إن الخطاب للكفار جميعا الذين يغترون مثل هذا الغرور ، وخصوصا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر بأن يخاطب بهذا الذين كفروا ، سواء أكانوا من هؤلاء أم كانوا من أولئك ، وإن الكفر بالحقائق

--> ( 1 ) رواه أبو داود : الخراج والإمارة والفيء - كيف كان إخراج اليهود من المدينة ( 2607 ) .